الموقع الرسمي لـ عبد الرحيم علي

عبدالرحيم علي يكتب: حرب "المؤسسات الكهنوتية" على المسلمين

الأحد 28/أغسطس/2016 - 09:16 م
The Pulpit Rock
 
ينبغى التوقف طويلًا أمام قوله تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ»، قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام‏‏ وركن عظيم من أركان سياسته‏‏ فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه،‏‏ ولا يسمح لأحد أن يُكره أحدًا من أهله على الخروج منه،‏‏ حتى عندما يتنطع البعض ويتحدث عن قتل المرتد عن الإسلام‏ وهو واحد من أعتى من وصفوا بالتطرف والتشدد من فقهاء المسلمين، الفقيه الحنبلى ابن تيمية، ليقرر أن المرتد في الإسلام لا يقتل لارتداده عن دين الإسلام وإنما لمحاربته للمسلمين، ويستند ابن تيمية في فتواه تلك إلى حديث عائشة الذي أورده البخارى في صحيحه: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث‏:‏ الثيب الزاني‏‏، والنفس بالنفس‏‏، والتارك لدينه المفارق للجماعة». وحمل ابن تيمية مفارقة الجماعة في الحديث على محاربتها، وسار في نهجه جميع علماء الشرع من بعده، خاصة الحنابلة منهم‏.‏
لقد أُمرنا أن ندعو إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة،‏‏ وأن نجادل المخالفين بالتي هي أحسن‏‏ معتمدين على أن تبين الرشد من الغي هو الطريق المستقيم إلى الإيمان‏‏ مع حرية الدعوة‏‏ وأمن الفتنة‏‏، فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار‏‏، أي أنه ليس من جوهره ومقاصده‏‏ وإنما هو سياج له وجُنّة،‏‏ فهو أمر سياسي لازم له للضرورة‏‏، ولا التفات لما يهذى به العوام ومعلموهم‏‏، إذ يزعمون أن الدين قام بالسيف‏‏ وأن الجهاد مطلوب لذاته،‏‏ فالقرآن في جملته وتفصيله حجة عليهم ‏(‏عبدالمتعال الصعيدى حرية الفكر في الإسلام ص‏١٨).‏ لقد نزلت الآية السابقة «لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ» في سورة مدنية‏‏ حين كانت للإسلام دولة وقوة‏.‏
ولكن هذا المبدأ نزل في مكة من قبل‏‏ حين أخذت النبى عليه السلام نوبة حماس فكان يبالغ في الإلحاح على الناس كى يؤمنوا، فقال له تعالى يذكره بمشيئة الرحمن‏:‏ «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِين» يونس: (٩٩).
وأمره الله تعالى بالإعراض عن الذي يتمسك بعقيدته المشركة لأن الله تعالى بعثه مجرد نذير يبلغ الرسالة، ويوم القيامة يحاسبهم الله «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم». الغاشية‏.
للنبى حقه في أن يخلص دينه لله وحده‏‏ وعليه أن يحترم حق خصومه في أن يعبدوا غير الله‏.‏
أمره الله أن يقول هذا‏: «قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ، قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)» الزمر.
أي جعل لهم مشيئة‏‏ ونزلت سورة كاملة تقول‏:‏ «قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون‏»..‏ وفى آخرها: «لكم دينكم ولى دين‏».‏
ويأمره الله تعالى بأن يعلن أنه يقول الحق من الله ثم لهم المشيئة الكاملة في الإيمان، أو في الكفر‏‏ وعليهم تحمل المسئولية إذا كفروا‏:‏ «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ، فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا، وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ، بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)» الكهف‏.
ويقول عن القرآن‏:‏ «قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧)» الإسراء‏.
أي لكم الحرية في أن تؤمنوا بالقرآن أو لا تؤمنوا به‏.‏
في الوقت الذي ترفض فيه المؤسسات الكهنوتية إجراء حوار‏‏ وتكتفى بإصدار قرارات التكفير والردة والحرمان ضد من يخالفونها في الرأي‏‏ نرى رب العزة وهو قيوم السماوات والأرض يجرى حوارا مع عباده أبناء آدم ليقنعهم بأنه هو الله الواحد الذي لا شريك له ‏(‏أحمد صبحى منصور مرجع سابق ص ‏٥٢).‏
ما أكثر الآيات القرآنية التي تعلى من شأن الحوار‏‏ وتجعل منه مدخلا أساسيا لإقامة الحجة والبرهان على صحة العقيدة وصدقها‏.‏
إن الله تعالى يحتكم إلى العقل الإنسانى في إثبات زيف الادعاءات الضالة، ويتردد في القرآن قوله تعالى‏:‏ أفلا تعقلون؟ أفلا تبصرون؟ لعلكم تعقلون‏.. ‏أنى تؤفكون؟‏ ‏وأن يحتكم رب العزة للعقل البشري‏‏ فإن هذا فيه تكريم لهذا العقل‏‏ واعتراف ضمنى من الله بأنه هو منبع حرية الإرادة، هذا في الوقت الذي تطالبنا فيه المؤسسات الكهنوتية بتعطيل وحجب التفكير ومصادرة حق المناقشة لعقائدها وأفكارها‏.‏
أدلة عقلية يستشهد بها الخالق جل وعلا على أنه الإله الذي لا إله معه،‏‏ ويرد بهذه الأدلة على آراء بعض مخلوقاته من البشر الذين يعتقدون بوجود آلهة أخرى مع الله‏.‏
ولولا أن الله تعالى قرر لهم حرية التفكير وحرية الاعتقاد والرأى ما سمح لهم بأن يعتقدوا تلك الاعتقادات التي تسيء إلى جلال الله،‏‏ ولولا أن الله تعالى ضمن لهم هذه الحرية في دينه ما أجرى معهم هذا الحوار وما احتكم إلى عقولهم في إثبات فساد تلك العقائد‏.‏
والله تعالى لم يستنكف أيضًا أن ينزل بالحوار إلى مستوى عقلية البشر كى يفهموا ويعقلوا وتقوم عليهم الحجة،‏‏ فمثلا‏‏ كان لبعض أهل الكتاب تصورات عن إبراهيم‏‏ وانزل الله تعالى الرد عليها فقال‏:‏ «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِى إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٦٦)» آل عمران‏.‏ إن في ذلك أعظم تقدير لحرية البشر‏‏ وأى تقدير أعظم من أن ينزل الخالق جل وعلا قرآنا يرد به على آراء لبعض مخلوقاته‏‏ ويقنعهم في الوقت الذي يستطيع فيه أن يدمر الأرض والسماوات‏.‏
ولكن بعض المخلوقات أعطت لنفسها امتيازات تفوق ما نتخيله‏‏ ولذلك فهم يستنكفون من الرد على خصومهم في الرأى ويكتفون بإعلان كفرهم واستحلال دمائهم‏‏، والمقارنة فظيعة الله تعالى يرد على دعاوى بعض خلقه بالأدلة العقلية‏‏، والكهنوت يستكبر عن النقاش مع أناس ينتمون مثله لآدم المخلوق من تراب ‏(‏المرجع السابق ‏٥٤).‏ إن الله تعالى لم يستنكف أن يسجل آراء خصومه التي لا تخرج عن السباب والتطاول وسوء الأدب‏.‏
«وقالت اليهود يد الله مغلولة»‏ (‏المائدة‏: ٦٤)‏.
وقالوا‏:‏ الله فقير ونحن أغنياء.
وقال فرعون للمصريين أنا ربكم الأعلى. كان من الممكن أن يصادر الله تعالى هذه الأقوال فلا نعلم عنها شيئا‏‏ وبعضها قيل في عصور سحيقة قبل نزول القرآن‏‏ ولولا القرآن ما علمنا عنها شيئا‏.‏
إن المبدأ القرآنى في الحوار يقوم على الحكمة والموعظة الحسنة والرد على إساءة الخصم بالتي هي أحسن وليس بمجرد الحسنى، يقول تعالى‏:‏ «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» النحل‏/١٢٥‏.
فالله تعالى يأمر رسوله الكريم بأن يدعو إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يجادل خصومه ليس بالحسنى وإنما بالتي هي أحسن، وإذا كان ذلك فرضا على النبى صاحب المقام الرفيع‏‏ فغيره من المسلمين أولى بأن يتحمل السيئة في الجدال وأن يرد عليها بالتي هي أحسن. جاء التعبير عن ذلك الأمر بصيغة مؤثرة محببة‏‏ يقول تعالي‏:‏ «وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)‏» فصلت.‏‏
فالله تعالى يعتبر أحسن الناس قولا هو الذي يدعو إلى الله ويكون قدوة لغيره في العمل الصالح ويعلن انقياده أو إسلامه لله‏.‏ وإذا جادله أحد وأساء إليه في دعوته وفى حواراته دفع تلك السيئة بالتي هي أحسن من الاحتمال والصبر والصفح والكلام الجميل‏‏، وحينئذ يضطر خصمه للاعتذار ويبدو بعدها كأنه ولى حميم‏.‏
وتلك الدرجة من السمو الخلقى في الدعوة لا يصل اليها إلا من عانى الصبر والتحمل في سبيل الله، وجدير به أن يكون ذا حظ عظيم عند الله تعالى.‏
وتزداد الصورة وضوحا إذا توقفنا أمام الرؤية القرآنية لعدد من المحاور المهمة‏‏ التي تؤكد في مجملها أن الإسلام دين لا يعرف العدوان ‏‏ويرفض الاجبار ‏(‏الفتنة‏)‏ في الدين،‏‏ ويمنح الإنسان كامل الحرية في الاختيار والإرادة في الفعل‏‏، ويحدد للرسول وظيفة محددة لا يجوز له أن يتعداها‏‏ ألا وهى البلاغ‏.‏
مع التسامح وضد العدوان‏:‏
على النقيض تمامًا مما يذهب اليه البعض ممن أساءوا فهم رسالة الإسلام سواء من غير المسلمين أو نفر من أهل الإسلام المتشنجين والمتعنتين،‏‏ فإن القرآن الكريم يرفض ما يسمى الآن حروب التوسع العدوانية،‏‏ ومثل هذا النمط من الحروب مرفوض ومدان بل محرم طبقا للنص القرآني،‏‏ ذلك أن الهدف الأسمى من الجهاد في الإسلام هو حماية المستضعفين وإتاحة الفرصة لهم للإيمان عن قناعة ودون إجبار‏:‏ «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)» ‏البقرة.
والمسلمون مأمورون بعدم المبادرة إلى القتال‏‏ إلا إذا كان ردا لعدوان وقع عليهم‏‏ فالله سبحانه لا يحب المعتدين‏.‏
«وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين (‏١٩٠)‏» البقرة.
فالهدف في البداية واضح وهو اتقاء الفتنة‏‏ وعندما يتحقق السلم والاستقرار‏‏ وبعد أن ينتهوا عن العدوان‏‏ فإن القتال محرم باللفظ الصريح‏.‏
العفو والصفح قيمتان يلح عليهما القرآن الكريم‏‏، وفى الحياة الإنسانية‏‏ القائمة على التعدد والاختلاف‏‏ متسع وأى متسع للتعايش السلمى في إطار من التسامح وقبول الآخر‏:‏
وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ‏(٦)‏ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين‏ (‏التوبة ‏٦‏ ـ‏٧)‏.
المشرك المستجير‏‏ طالما أنه بعيد عن إلحاق الأذى وصناعة الضرر‏‏ وطالما أنه ملتزم‏‏ لا يجوز أن يتعرض للأذى أو الترويع‏‏ والقرآن الكريم يدين كل أشكال العدوان والبغى ومن المهم هنا أن نتوقف في إيجازـ لعرض مفهوم الفتنة التي يأمر القرآن الكريم باجتنابها والتصدى لها‏.‏
مفهوم الفتنة‏:‏
إن تتبع الاستخدام القرآنى لمفردة الفتنة بحث شائق وممتع‏‏ والذي يعنينا هنا هو التأكيد على الموقف الرافض للكلمة وما يترتب عليها، ولعل في الاستعراض السريع لبعض الآيات ما يقود إلى حقيقة الفكرة التي تهدف اليها‏:‏
«والفتنة أشد من القتل» ‏(‏البقرة ـ‏١٩١)‏
«وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة» ‏(‏البقرة ـ‏١٩٣)‏
«والفتنة أكبر من القتل» (البقرة ـ‏٢١٧‏)
«فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة»‏ (‏آل عمران ـ‏٧)‏.
«وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة» ‏(‏الأنفال ـ‏٣٩)‏.
«إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» ‏(‏الأنفال ـ‏٧٣).‏
المعنى الدلالى للكلمة يقود إلى القلق والاضطراب والتوتر والزيغ‏‏ وهذه المفردات جميعا تعنى غياب الاستقرار والسكينة والسلام والأمان‏.‏
بمثل هذا المنطق‏‏ فإن الحرب في الإسلام لا تهدف إلى العدوان والتوسع والبطش،‏‏ لكنها وسيلة لحماية الإنسان من القلق وكل ما يحول بينه وبين الحق المشروع في الاختيار الحر لما يؤمن به ويعتقد فيه.‏‏ وحرية الاعتقاد ومنع الفتنة هنا ليسا مقصورين على المسلم وإنما هما حق لكل إنسان كرمه الله ومنحه شرف الانتساب إلى بنى آدم‏.‏
الإعراض وسيلة للمقاومة‏:‏
ليس أدل على الرغبة في التسامح والتعايش السلمى والحرص على تجنب العدوان من التوجيه الإلهى للرسول بالإعراض عن معارضيه والترفع عن السقوط في مستنقع الابتذال الذي يمارسونه‏.‏
الأمر صريح واضح‏:‏ «أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا» ‏(‏النساء ـ‏٦٣)‏.
ما الذي يعنيه الإعراض هنا؟‏!.
لا ينبغى للرسول أن ينخدع بالباطل الذي يروجون له ويدعون إليه‏‏، وعليه أن يمضى في طريقه القويم مع الاستمرار في وعظهم وإرشادهم ومحاولة استقطابهم والتأثير عليهم‏‏، لكن ذلك كله لا يعنى تجاوزا أو عدوانا‏.‏
ويتأكد المعنى هنا حتى لو حاول بعضهم خداع الرسول ذاته‏:‏
«ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا‏» (‏النساء ـ‏٨١)‏.
الإعراض والتوكل على الله بإحالة الأمر إليه،‏‏ فليس مطلوبا من الرسول أن يهديهم بالقوة‏:‏ إنك لا تهدى من أحببت‏.‏
الاختلاف قائم بين الرسول عليه الصلاة السلام وبين من يخوضون في آيات الله،‏‏ لكن التوجيه الإلهى حاسم،‏‏ نهى عن العنف وتوجيه بالمسالمة‏:‏ «وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين» ‏(‏الأنعام ـ‏٦٨)‏.
وفى ذات السورة آية تؤكد المعنى نفسه وترسخه‏:‏ «اتبع ما أوحى إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين» (الأنعام ـ‏١٠٦‏). ويعلق الشيخ محمد الغزالى على الآية قائلا‏:‏
هذه الآيات من ألمع الأدلة على احترام الإسلام لحرية الإرادة وبنائه الإيمان على الاقتناع المجرد ‏(‏محمد الغزالي‏:‏ جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج ص‏٢٩)‏. المهم أن تقدم الدعوة مقرون ببراهينها التي تجعلها بصائر للناس‏‏ وأن تستثير العلم الفطرى المركوز في الطبائع حتى يكون عونا لك‏.‏
وأن تكون صورة متقنة لما تدعو إليه أو لما أوحى إليك‏.‏
إن إعراضك عن المبطل بعد هذا يتركه في وحشة نفسية مقلقة قد تكون باعثة بعدئذ على تصديقك‏.‏
ولست مكلفا بحمل الناس على اليقين بالقوة، ملكتها أو لم تملكها‏‏، فلا وزن لإيمان من هذا النوع.
ويستمر التوجيه القرآنى في الدائرة نفسها‏:‏ «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين» ‏(‏الأعراف ـ‏١٩٩)‏.
الإعراض أمر الهى يتكرر في كثير من الآيات‏‏ وفى آيات أخرى تظهر مفردة (ذر) للتعبير عن المعنى نفسه‏:‏
«وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا» (الأنعام ـ‏٧٠‏)،
«ثم ذرهم في خوضهم يلعبون» ‏(‏الأنعام ـ‏٩١).‏
«ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون» ‏(‏الأعراف ـ‏١٨٠)‏.
«فذرهم في غمرتهم حتى حين» (المؤمنون ـ‏٥٤‏)، «فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون» ‏(‏الزخرف ـ‏٨٣)‏.
«فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون»‏ (‏الطور ـ‏٤٥)‏.
«فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون» ‏(‏القلم ـ‏٤٤)‏.
«فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون‏» (‏المعارج ـ‏٤٢)‏.
«وذرنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا» ‏(‏المزمل ـ‏١١)‏.
«ذرنى ومن خلقت وحيدا»‏ (‏المدثر ـ‏١١)‏.
كل هذه الآيات‏‏ المدنية منها والمكية‏‏ تأمر الرسول وتوجهه بترك أمر الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر لله يوم يجمع الناس جميعا، فلا يدع منهم أحدا،‏‏ لاعقاب دنيوى ولا حجر على رأى مهما كان نوعه أو حجم المجاهرة به أو عدد الداعين إليه‏.‏
حدود وظيفة الرسول‏:‏
القرآن الكريم يحدد للرسول عليه الصلاة والسلام إطارا يؤدى من خلاله وظيفة الدعوة والبلاغ‏‏، كما أنه يحدد الأسلوب الأمثل لأداء هذه الوظيفة‏.‏
يقول تعالى‏:‏ «ما على الرسول إلا البلاغ» ‏(‏المائدة‏:٩٩)‏.
إنه البلاغ الذي يخلو من شبهة الإكراه‏‏ فكل امرئ متروك لضميره‏‏ وله أن يسلم أو يستمر في كفره‏.‏
المعنى نفسه في سورة العنكبوت: «وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين» ‏(‏العنكبوت‏: ١٨)‏.
الرسول مطالب بالبلاغ‏‏ وهو بالنص القرآنى ليس حفيظا أو وكيلا‏‏ فهو مبلغ دون أن يكون ملزما بالهداية‏‏ بل إن هذا البلاغ محدد وفق قواعد لا يغفل عنها القرآن‏:‏ «فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون» ‏(‏الروم‏:٦٠).‏ «فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادي وهو مكظوم‏» (‏القلم‏:٤٨)‏. «واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا» ‏(‏المزمل‏:١٠)‏. «فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا»‏ (‏الإنسان‏:٢٤).‏
الصبر هنا سلوك حضارى يمثل أرقى درجات التحضر‏‏، وهو مقدمة لابد منها قبل أن يصل التوجيه القرآنى إلى ذروته الشامخة‏:‏ «ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم» ‏(‏فصلت‏: ٣٤)‏.

تعليقات Facebook


تعليقات الموقع

اقرأ أيضا