الأربعاء 24 أبريل 2024

من أرشيف عبد الرحيم علي

فوز «حماس» و«الإخوان»:لا للتهويل.. ولا للتهوين

الشرق الأوسط الاثنيـن 30 ذو الحجـة 1426 هـ 30 يناير 2006 العدد 9925

نشر
عبد الرحيم علي


هل يمثل فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، وما سبقه من فوز لجماعة الإخوان المسلمون بخمس عدد مقاعد البرلمان المصري، تعبيرا عن انتصار خيار المقاومة (بالشكل التي تراه كل من حماس والإخوان) فى فلسطين، أو «هي رغبة من الأمة في العودة إلى إسلامها من جديد» ـ كما ادعى المرشد العام للجماعة في مصر في رسالته الأسبوعية الأخيرة. 
وهل يعبر ما حدث فى البلدين ـ فى محصلته النهائية ـ عن خيار واع وحقيقي للشعوب العربية (ممثلة في الشعبين الفلسطيني والمصري) لشعارات ورؤى جماعة الإخوان وفرعها في فلسطين (حماس). 
هذا الاسئلة أثارها عدد كبير من المراقبين والمشتغلين بالعمل العام في الوطن العربي، طوال اليومين الماضيين، والحقيقة أن جميعهم ابتعدوا عن مناقشة الحقائق على الأرض، وراحوا يتوقعون ما سوف تسفر عنه الشهور القادمة التي تعقب تشكيل حماس للحكومة من جانب، وممارسات نواب الإخوان في البرلمان المصري من جانب آخر. ولم يتصد أحد للإجابة عن السؤال الرئيس وهو: ما طرحناه في مفتتح المقال، حول ما إذا كانت تلك خيارات حقيقية للشعبين الفلسطيني والمصري، أم احتجاج قوي (ومحسوب أيضا) من الشعبين على فساد طغمة من رجال الحكم في البلدين؟! 
وفي رأيي أن ما حدث مؤخرا في فلسطين يجب أن يدرس في ضوء ثلاث ملاحظات رئيسية، الأولى تتعلق بوظيفة الحكومة، التي تنحصر في الواقع الفلسطيني في تسيير الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمواطن الفلسطيني، من دون أن تتعدى هذا الى رسم السياسات المتعلقة بالخيارات السياسية الكبرى للشعب الفلسطيني (خاصة ما يتعلق بأسلوب حسم القضية الفلسطينية مع العدو الإسرائيلي)، فالمواطن الفلسطيني كان يعي جيدا أن هذه الخيارات هي مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية ولجنتها التنفيذية وليس مسؤولية الحكومة، وكذا هي جزء من مسؤوليات الرئيس المنتخب، لذا فقد صوت (نفس هؤلاء الذين صوتوا لحماس في الانتخابات التشريعية) للسيد محمود عباس كرئيس للشعب الفلسطيني مفوضين إياه للمضي قدما وفق ما طرحه من برنامج سياسي، جاء في مجمله متناقضا مع برنامج حماس القائم على المقاومة كحل وحيد لتحرير الارض. ولكن هذا المواطن (بعينه)، عندما أتى دور تسيير الحياة العامة للمواطن داخليا، صوت ضد الفساد ومع شعارات طهارة اليد وإنقاذ الاقتصاد المنهار، وتفعيل الحياة الاجتماعية المتردية للموطن الفلسطيني في الداخل.

هذه هي القضية ببساطة، ولهذا فلا مجال هنا لاستغلال فوز حماس للحديث عن ما يسميه البعض، انتصار لمبدأ وشعار المقاومة، وإلا فكيف يمكن تسمية ما تقوم به خلايا كتائب شهداء الأقصى (الجناح العسكري لحركة فتح) والتي فاقت عملياتها ضد العدو الإسرائيلي ما قامت به الأجنحة العسكرية لحماس والجهاد مجتمعين. 
وفي الجهة المقابلة (أعنى في مصر) كان الشعب المصري واعيا، وهو يصوت لجماعة الإخوان المسلمين، احتجاجا على فساد بعض قيادات الحزب الوطني الحاكم، وبطئ مسيرة الإصلاح السياسي والإقتصادي والاجتماعي (بسبب تعويق هؤلاء البعض لهذه الخطوات عن عمد)، أن رئيس الدولة يملك طبقا للدستور أن يحل البرلمان في أي وقت، بالإضافة الى حقه الكامل في عدم التصديق على أي من قراراته. ولهذا فعندما حان وقت التصويت على شخص الرئيس اختار المصريون مبارك بمحض إرادتهم، وفي انتخابات لم يشر أحد بمن فيهم من خاضها ضد الرئيس الى تزويرها، على الرغم مما شابها من تجاوزات. في حين صوت عدد ليس بالقليل (20%) منهم للإخوان في الانتخابات البرلمانية، في محاولة جادة لإيجاد معارضة قوية في مواجهة الحزب الوطني الحاكم، وكشكل من أشكال الاحتجاج على سياساته (الاقتصادية والاجتماعية). 
ومن هنا فعلينا كمحللين أن نضع الظاهرة في حجمها الحقيقى سعيا للتعاطي معها من دون تهويل أو تهوين. 
* كاتب مصري