الأحد 05 فبراير 2023

من أرشيف عبد الرحيم علي

ثلاثة مواقف وحماقة أعيت من يداويها..!

الشرق الأوسط 2-9-2006

نشر
عبد الرحيم علي


ما أن انتهت الحرب على لبنان، وبدأت نتائجها الحقيقية في التكشف، حتى بدأت مواقف كافة الأطراف السياسية المعنية بتلك الحرب في التبلور شيئا فشيئا، بعيدا عن التشنج الذي رافق تبادل إطلاق النار، بين حزب الله وقوات العدو الإسرائيلي. وبالرغم من استمرار تشنج جنرالات ما بعد وقف إطلاق النار، الى ما قبل أسبوع واحد ، فإن التغير في المواقف، والاستجابة للمعادلات الجديدة على الأرض، سرعان ما طالتهم أيضا. فتبلورت مواقف ثلاث قوى أساسية كانت الى وقت قريب لم تزل تخوض غمار الخطب الحماسية حول الانتصار الاستراتيجي لحزب الله وتعديله للعقائد العسكرية في المنطقة وإلى الأبد .
فبعد مرور أيام معدودة على قبول لبنان وحزب الله لقرار مجلس الأمن رقم 1701. بدأت مواقف أخرى مغايرة في الظهور والإعلان عن نفسها من خلال تصريحات ومبادرات ومواقف، كانت مستحيلة قبل أيام .
وبينما جاءت مواقف تلك القوى الثلاث متزامنة إلا أن أولها كان الموقف الإيراني الذي سارع بالرد على سلة الحوافز للدول الخمس دائمة العضوية زائد ألمانيا، حيث قبلت إيران من حيث المبدأ تلك الحوافز الدولية، في استجابة سريعة وواضحة لقرار مجلس الأمن رقم 1696 (الذي أمهل إيران حتى نهاية أغسطس الجاري لإيقاف التخصيب، وإلا تعرضت لتدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وبالتحديد المادتان 40 و 41 اللتان تعنيان التهديد بعقوبات اقتصادية ووسائل تدخل عسكري). صحيح أن إيران لم توافق على الوقف الفوري لعمليات التخصيب قبل المفاوضات، إلا أنها لم تعط الولايات المتحدة الأمريكية ولا مجلس الأمن ذريعة لتنفيذ القرار سالف الذكر. جاء الرد الإيراني في مجمله بعيدا عن فكرة التصادم مع سلة المحفزات الدولية، ولكنه طالب بالمزيد منها عبر العديد من الأسئلة والاستفسارات. فالمفاوض الإيراني يعتبر وقف التخصيب بمثابة الجائزة الكبرى التي سوف يقدمها للدول الخمس زائد ألمانيا في مقابل ما تضمنته سلة الحوافز. وتقديم هذه الجائزة قبل التفاوض، أو إيقاف التخصيب قبل الحصول على تلك الحوافز، يعد خسارة كبيرة يرفضها ذلك المفاوض العنيد . الجديد في الموقف الإيراني لم يكن الرد على سلة الحوافز فقط ، وإنما تأكيده على لسان الرئيس أحمدي نجاد، على أن إيران لا تستهدف إسرائيل لا الآن ولا في المستقبل، وأنها لا تشكل تهديدا لأي دولة. لقد أعادت إيران تقييم الوضع ما بعد الحرب، التي ادعى البعض أن حزب الله حقق فيها انتصارا استراتيجيا، اعتمادا على ما قدمه أبطال حزب الله من أداء بطولي سيجله لهم التاريخ، في قتال غير متكافئ مع قوى غاشمة ونازية. ولكن إيران الخبيرة بالحرب كانت قد خلصت الى عكس ما خلص إليه هؤلاء فسارعت على الفور بالاستجابة لقرار مجلس الأمن السالف الذكر مفتتحة فصلا جديدا في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب.
الموقف الثاني لم يتأخر كثيرا وفي هذه المرة جاء من داخل لبنان وعلى لسان السيد حسن نصرالله زعيم حزب الله. لقد قال الرجل بالحرف الواحد إنه لو علم بأن عملية أسر الجنديين الإسرائيليين كانت ستقود إلى هذا الدمار الذي لحق بلبنان، لما قام بها. وبغض النظر عن تقييمنا لكلامه خاصة وأن عملية خطف الجندي الإسرائيلي بغزة ونتائجها كانت واضحة لكل ذي عينين قبلها، إلا أننا نثمن شجاعة الرجل واعترافه بالخطأ. فكلامه كان واضحا وصريحا ولا يحتاح الى تأويل.
ولكن «لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها» (كما قال الشاعر العربي القديم). فعندما قلنا وغيرنا هذا الكلام، حول الخطأ في الحسابات، والتوقيت الذي تتستر وراءه أهداف غير لبنانية، ربما تورط فيها حزب الله عن قصد أو غير قصد، اتهمنا البعض بالوقوف في خانة العدو. ومنحه الذريعة للهجوم على لبنان، وتبرير أفعاله الهمجية. ولكن أن يأتي الكلام على لسان السيد فهو برد وسلام على الجميع. شجاعة حسن نصرالله واعترافه الأخير لا شك يحسبان له لا عليه ولكن ليت «مغاوير» السياسة و«هجامين» الصحافة و«مارينز» لجان مساندة المقاومة الاسلامية وغير الاسلامية، عبر اتساع الوطن المغلوب على أمره من المحيط الى الخليج يتعلمون. الغريب أننا لم نسمع منهم حتى الآن تعليقا واحدا على موافقة حزب الله ووزرائه في الحكومة على القرارين الأخيرين اللذين اتخذتهما الحكومة اللبنانية. الأول: يقضي بأن كل من يقبض عليه متلبسا بحمل صاروخا أو حيازته يتم اعتقاله وتقديمه الى محاكمة عسكرية بتهمة الخيانة العظمى والعمالة لدولة إسرائيل. والثاني اعترف به حسن نصرالله في حديثه الأخير ويقضي بأن كل من يضبط متلبسا بأي مظاهر مسلحة في الجنوب بما في ذلك ارتداء الزي العسكري ، بخلاف الجيش اللبناني، يصادر سلاحه ويقدم للمحاكمة على الفور.
فهل نسمع من أصحاب مقولات «عقلية الهزيمة» تعليقا على هذه القرارات، وبم يمكن أن نسمي استجابة حزب الله «العاقلة من وجهة نظرنا ـ لهذه القرارات. وماذا لو اتخذتها حكومة أخرى غير لبنان أو طالب بها بعض السياسيين بخلاف السيد نصر الله وحزبه ؟!
الموقف الثالث لم يكن بعيدا لا من الناحية الزمنية ولا من ناحية الارتباط الأخلاقي، فقد أعلن نائب وزير الخارجية السوري السيد فيصل المقداد أن بلاده مستعدة لاستئناف عملية السلام مع اسرائيل «على أسس قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية» إذا كانت إسرائيل مستعدة لذلك. وهنا يجب التذكير بمضمون الحل الذي تشتمل عليه مبادرة السلام العربية، التي تتضمن باختصار انسحاباً اسرائيلياً شاملاً من جميع الاراضي العربية المحتلة، مقابل اعتراف عربي كامل بإسرائيل يتضمن التطبيع معها.
فهل نسمع تعليقا من القوى السياسية العربية القومية والدينية وحلفائهم من «مارينز» الصحافة، حول القبول السوري بعودة الجولان مقابل الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها. أم أن طلقاتهم فقط موجهة لصدر دول بعينها، ولأهداف أبعد ما تكون عن مصالح الأمة والأوطان.
أعلم أن أي كلام أو مواقف سوف تصدر عن تلك القوى الثلاث، ستجد مبرراتها لدى سدنة «الهيكل» فعندهم كلام السيد تكتيك سياسي للاستهلاك المحلي. وموقف إيران مراوغة لحين إتمام عملية التخصيب، والسوريون يريدون إحراج إسرائيل أمام العالم.
أما المضمر فهو خطط جهنمية لغزو إسرائيل ومن ورائها أمريكا بعد أن تجهز تلك القوى نفسها لمعركة أخرى حاسمة