الجمعة 12 يوليو 2024

من أرشيف عبد الرحيم علي

بلاغ إلى رئيس الجمهورية الأهالى تنشر التفاصيل الكاملة لفضيحة تنظيم «التوحيد والجهاد»

جريدة الأهالى الأربعاء 3 مايو 2006 العدد 1276

نشر
عبد الرحيم علي


• أسئلة يرددها بدو سيناء: 
• لماذا أخفت أجهزة الأمن المعلومات حول انتشار التنظيم فى أربع محافظات
• من المسئول عن إصدار بيان ينفى وجود «التنظيم» 
• والزعم بأن حادث طابا قامت به مجموعة تأثرت بما يحدث فى فلسطين 

أقسم الرئيس مبارك، أثناء إلقاء خطابه يوم الأربعاء الماضى، بمناسبة الإحتفال بعيد العمال، أنه سيحمى أمن مصر وقال: إن أمن مصر خطا أحمر لن يسمح لأحد بالتلاعب به". ونحن اليوم نضع أمام الرئيس، ومن منطلق الحرص على أمن هذا الوطن، هذا التقرير المعلوماتى، الذى ننطلق فيه من فرضية أساسية تقول بأن الإخلال بأمن مصر لا يقتصر على حمل أيادى مأجورة لحفنة من المتفجرات وإلقائها على منشأة سياحية مما ينتج عنه قتل وجرح العشرات، وإنما يمتد ليشمل كل من تسول له نفسه إخفاء معلومات من شأنها الإضرار بأمن هذا الوطن، وأمن مواطنيه، عبر التقليل من حجم ما نواجهه من تحديات أمنية، والتسبب فى كوارث كبرى ومفجعة نتيجة لإخفاء تلك المعلومات، إن محاولات بعض الأجهزة، ومنذ تفجيرات طابا، إبراز صورة تختلف عن حقيقة الأزمة الموجودة على أرض الواقع فى شمال مصر، والتغطية على حقائق مؤكدة تسببت فى مقتل ما يقرب من مائة شخص وجرح العشرات فى تفجيرى شرم الشيخ ودهب، فى محاولة مفضوحة للمداراة على فشل ذريع فى اكتشاف ما كان يتوجب عليهم كشفه قبل وقوع الكارثة، إنما يمثل جريمة كاملة الأركان، فى حق مصر حكومة وشعبا. لقد وصف الرئيس مبارك ما حدث من مذبحة بشعة فى معبد الدير البحرى بالأقصر. قبل ما يقرب من عشر سنوات، بالتهريج الأمني. والآن، وبعد ما حدث فى دهب، فإن شعب مصر بأكمله يتساءل: بماذا يمكن وصف تلك التفجيرات المتتالية فى طابا وشرم الشيخ ودهب؟ وبماذا يمكن وصف ما تبعها من نتائج كارثية ومفجعة على اقتصادنا وأمننا القومى؟ وإذا لم يكن ما حدث هو التهريج بعينه فبماذا يمكن أن نصفه؟. إن قلوبنا تقطر حزنا وألما عندما نتصفح أوراق القضية، ونقرأ اعترافات المتهمين فى قضيتى طابا وشرم الشيخ، ونرصد بياناتهم على شبكة الإنترنت، التى حذروا فيها مرارا من أنهم سوف يقومون بتنفيذ تلك العمليات. ولكن لا حياة لمن تنادى.
إن هذا التقرير نقدمه كوثيقة أمام الرأى العام انطلاقا من إيماننا بأن مصر فوق الجميع، وأنه لا أحد فوق المساءلة. البدايات
كشفت تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا مع المتهمين بتنفيذ تفجيرات طابا فى أكتوبر 2004 وشرم الشيخ فى يوليو 2005، عن قيامهم بتأسيس تنظيم جديد فى مصر يعتنق أفكار شبكة القاعدة، ويدين بالولاء لقائديها أسامة بن لادن وأيمن الظواهرى، وأشارت نتائج التحقيقات إلى ان التنظيم أطلق على نفسه اسمالتوحيد والجهاد"، وهو بالمناسبة نفس الاسم الذى كان يطلقه أبو مصعب الزرقاوى أمير تنظيم القاعدة فى بلاد الرافدين على تنظيمه فى العراق، قبل أن يعلن مبايعته لأسامة بن لادن فى أكتوبر 2004. كما كشفت التحقيقات أيضا، أن أعضاء التنظيم استندوا فى عملياتهم الانتحارية لفتوى أسامة بن لادن التى أجاز فيها تفجير النفس من أجل إحداث نكاية فى الأعداء.
وأوضحت أقوال المتهمين وشهود الإثبات أن التنظيم يصل عدد أعضائه إلى ما يقارب المائة شخص، تم تقسيمهم إلى خلايا عنقودية لا تعرف بعضها البعض، وجميعها تحت قيادة طبيب الأسنان العرايشيخالد مساعد" (قتل فى أغسطس عام 2005 فى مواجهة مع الشرطة بأحد الكمائن بمدينة الشيخ زويد بالإسماعيلية). 
كانت أقوال الشهود قد كشفت، عقب تفجيرات طابا، أن طبيب الأسنان خالد مساعد بدأ فى تأسيس التنظيم فى يناير من عام 2003، وأنه نجح فى تكوين أولى خلاياه فى فبراير من نفس العام بمسجد الملايحة بالعريش، حيث كانمساعد" يلقى دروسه الدينية فى هذا المسجد، والتى ركز فيها على أهمية الجهاد ضد الكفار وقتال الحكام المرتدين. كانت أجهزة الأمن فى تلك الفترة مشغولة بإنجاز باقى خطوات مبادرة وقف العنف مع قادة الجماعة الإسلامية والإشراف على مشروع سلسلة تصحيح المفاهيم. استغل مساعد دخول قوات الاحتلال الأمريكى إلى بغداد وصعد من أنشطته التى شملت أربع محافظات، هى شمال وجنوب سيناء، والإسماعيلية، ومرسى مطروح. ووصل عدد أعضائه قبيل تنفيذ تفجيرات طابا إلى مائة عنصر. وطوال ما يقرب من عامين طاف خالد مساعد وبصحبته مجموعة من أهم عناصر التنظيم فى مقدمتهم ذراعه الأيمن طلب مرضى (الذى قتل بصحبته فى اشتباكات الشيخ زويد) وقائد مجموعة الإسماعيلية أحمد سعيد صلاح (المقبوض عليه حاليا)، والمحامى نصر خميس الملاحى، وعيد سلامة الطراوى، وحماد جميعان (المشرف على عملية طابا)، ومحمد عبد الله ابوجرجور، وسلام عطية الشنوب، وسالم خضر الشنوب، محافظات شمال وجنوب سيناء، والإسماعيلية، ومرسى مطروح، فى محاولة - توجت بالنجاح - لتجنيد أكبر عدد من العناصر الصالحة لتنفيذ أهداف التنظيم.
مناوشات أولية
ووفق المعلومات التى حصلنا عليها.. لم يبدأ التنظيم عملياته مباشرة بتفجيرات طابا، وإنما سبقتها مناوشات لجس نبض الأمن، وقياس درجة اليقظة قامت بها عناصره ولكن لم يتم الإعلان عنها، إحدى هذه المناوشات سجلها المحضر رقم (3732) إدارى شرم الشيخ، المؤرخ فى 15-9-2004، والذى ذكر فيه عدد من السائحين الأجانب ومرشدهم السياحى كيف قطعت عليهم الطريق مجموعة من الملثمين يحملون أسلحة آلية، وطالبتهم بإبراز هوياتهم متحدثة إليهم بلغة إنجليزية رصينة، وعندما تأكدت المجموعة من عدم وجود سائحين إسرائيليين بين المجموعة، قامت بنزع جميع البطاريات الخاصة بأجهزة التليفون المحمول من كل ركاب الباص ووضعتها فى كيس بلاستيك، ثم أودعتها حقيبة الباص، وأمرت السائق بالسير بأقصى سرعة دون الالتفات إلى الوراء أو محاولة التوقف لإلتقاط البطاريات، قبل الوصول إلى شرم الشيخ، محذرة أياه بأن الطريق كله مراقب.
الغريب أن أجهزة الأمن بشرم الشيخ رفضت رفضا قاطعا تحرير محضر بالواقعة، ولم ترضخ إلا عقب تهديد صاحب الشركة التابع لها الباص بإبلاغ أجهزة الإعلام والرئيس مبارك شخصيا بالواقعة إذا لزم الأمر !!. وقد حرر المحضر فى وجود القائم بأعمال السفارة التابع لها الفوج السياحى آنذاك. وقد سبقت تلك الحادثة تفجيرات طابا بثلاثة أسابيع كاملة، وكانت تلك المدة كفيلة بإجهاض أى تحرك إرهابى يتم الإعداد له أو إرباكه على الأقل، لو تم التعامل معها بشفافية وجدية. 
طابا والاختبار الحقيقى
كان الاختبار الحقيقى الذى أعد له قائد التنظيم خالد مساعد" بعد مناوشات الباصات، هو الإعداد لعمل ضخم يهز المجتمع بأثره، ويختبر قوة تنظيمه الجديد على الاستجابة لتوجيهات الزعماء الروحيين لتنظيم القاعدة (بن لادن والظواهري). وقد حدد مساعد ساعة الصفر عقب احتفالات مصر بذكرى أكتوبر المجيدة، حيث يكون الجميع فى حالة استرخاء تامة بعد مجهود الإعداد للاحتفالات الذى عادة ما يبدأ قبل شهر أو أكثر.
وفى ساعة الصفر اختار خالد مساعد، حماد جميعان للإشراف على العملية، وبدوره أختار الأخير كلا من الفلسطينى إياد صالح المقيم فى العريش (والذى كان قد تم تجنيده قبل عام كامل من التفجيرات)، الأخين سليمان أحمد صالح فليفل، ومحمد أحمد صالح فليفل لمشاركتهم فى عملية التنفيذ. لا يدرى أحد حتى الآن من أين أتى خالد مساعد بالتمويل اللازم للقيام بالعملية خاصة ما يتعلق بشراء السيارات والمتفجرات والأسلحة والذخيرة المستخدمة فى الحادث؟ والتى قدرها الخبراء بأكثر من مائة ألف جنيه.
كيف تعامل الأمن مع الحادث؟
كان واضحا منذ اللحظة الأولى أن التفجيرات وراءها تنظيم كبير يضم عددا من الخلايا المنتشرة فى مناطق عدة فى شمال البلاد، وليس فى جنوب سيناء وحدها، كما كان واضحا أن التنظيم أتخذ قرار البدء فى تنفيذ عملياته بعد أن اطمأن تماما لقدرته على التنفيذ ودرب عناصره جيدا على العملية المحتملة، وأختار أهدافه بعناية فائقة، كذا طرق وأساليب التخفى وخداع أجهزة الأمن بعد تنفيذ تلك العمليات. هذا بالإضافة إلى تدبر أماكن اختفاء عناصره مستغلا انتشار كوادر التنظيم فى المحافظات الأربع. وفى الوقت الذى خرجت فيه أجهزة الأمن علينا لتؤكد أن المجموعة التى نفذت التفجيرات ليس لها أية ارتباطات تنظيمية، واصفة إياهم بأنهم مجموعة من الشباب المتحمس الذى أثارته الأحداث التى تقع فى الأراضى المحتلة من قبل إسرائيل. فى هذا التوقيت كان الرجل الثانى فى التنظيم نصر خميس الملاحي" يقوم بإستئجار مزرعة بالإسماعيلية باسم حركى يدعيزايد"، متخذا إياها مكانا آمنا لعقد اللقاءات التنظيمية لكوادر التنظيم، وفيها تم التخطيط لتفجيرات شرم الشيخ. 
كان الجميع يعرف أن أجهزة الأمن تحاول إخفاء فشلها فى كشف التنظيم الذى تم تأسيسه قبل عامين، فى محاولة لامتصاص غضب الرأى العام. ولكن توصيف تفجيرات طابا والاستخلاصات الأمنية لنتائجه، حرم المصريين من معرفة حقائق مهمة، كان من الممكن لو تم التعامل معها بشفافية، تدارك ما حدث من تفجيرات فى شرم الشيخ ودهب.
شرم الشيخ .. صحوة متأخرة!
نفذ تنظيمالتوحيد والجهاد" ما خطط له فى مزرعةالملاحي" بالإسماعيلية، والتى يحيط الغموض بمالكها - حتى الآن - وما إذا كان متورطا مع التنظيم من عدمه (خاصة وأنه ينتمى إلى عائلة كبرى ذات نفوذ فى دلتا مصر). 
ولكن الغريب أن التنظيم أعلن عن مسئوليته هذه المرة عن العملية وبرر فى البيان، الذى نشره على موقع أصولى اعتاد نشر بيانات المجموعات الإرهابية يوم 25-7-2006 (أى عقب تفجيرات شرم الشيخ بيومين)، عدم تبنيه لتفجيرات طابا - فى حينه - بالقول:إن كنا لم نعلن من قبل، فذلك لظروفنا الأمنية التى نقدرها وفق مصلحة التنظيم ونحن الآن فى وضع أفضل يمكِّننا (...) من تبنى عمليتنا الثانية فى سلسلة الحرب المحلية بشرم الشيخ".
واوضح التنظيم فى بيانه أنجماعة التوحيد والجهاد بأرض الكنانة مصر تواصل الحرب المجيدة على اليهود والنصارى لإجلائهم من أرض الإسلام والتى بدأت بمحاربة بؤر الشر والدعارة الصهيونية على أرض المناجاة سيناء بطابا ورأس شيطان ونويبع". وأضاف البيانتقبل الله شهداءنا فى تلك الغزوة المباركة"، فى إشارة إلى تفجيرات طابا، ذاكراً اسماء خمسة مهاجمين قتلوا فيها هم اياد صالح الفلسطينى وسليمان فليفل سواركة وحماد التربانى ومحمد بدوى وسلامة التيهي. وخاطب ما أطلق عليهمكفار العالم" (...) قائلا: إن اردتم أن تأتوا إلى بلادنا وتنعموا بالأمن والسلام"، عليكم بطلب الامان من قادة الأمة الحقيقيين (...) الشيخ اسامة بن لادن والشيخ ايمن الظواهرى !!
وفى لفتة دالة أكد البيان على أن الجماعة ستواصل حربهاتحديا لاجهزة الطواغيت الأمنية التى ثبت فشلها فى اعقاب تفجيرات طابا المباركة باعتقال الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء كرهائن".
الرسالة
كانت الرسالة واضحة، تنظيم يعلن عن نفسه يحدد مقاتليه الذين قاموا بعملية شرم الشيخ، ومن نفذوا تفجيرات طابا من قبل، ويتحدى أجهزة الأمن بحرب معلنة، مكانها سيناء. 
فماذا فعلت أجهزة الأمن؟! راحت وفى لمح البصر تلقى القبض عشوائيا على مئات الشباب والنساء والشيوخ من بدو سيناء وتعرضهم لأوضاع أقل ما يقال عنها أنها غير إنسانية، فى محاولة للبحث عن معلومات يخفون بها الفشل الذريع الذى أعقب فشلهم فى طابا. 
فماذا كانت النتيجة؟! خسرت أجهزة الأمن، كما حدث من قبل فى صعيد مصر فى تسعينيات القرن الماضى، الوسط الجماهيرى. وتطوع عدد من بدو سيناء - كما جاء فى تحريات الأجهزة الأمنية لاحقا - لمساعدة أعضاء التنظيم الهاربين فى التخفى وتجاوز الدروب الصحراوية المعقدة احتجاجا على سوء المعاملة - غير المبرر - الذى لاقوه من أجهزة الأمن، والتى طالت عددا من رموزهم.