الجمعة 12 يوليو 2024

من أرشيف عبد الرحيم علي

عبدالرحيم علي يكتب: رسالة بن لادن الأخيرة.. الوعد والوعيد

نُشر هذا المقال بجريدة المصري اليوم بتاريخ 12 سبتمبر 2007

نشر
عبد الرحيم علي

جاءت الرسالة المصورة الأخيرة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، لتمثل، وفق تقديري، خطبة وداع لقائد يحتضر، لكنها في نفس الوقت خطبة قائد منتصر. فابن لادن الذي بدا متعبا إلى أقصي حد، حاول أن يظهر في نفس الصورة التي قدم بها نفسه للعالم قبل أكثر من عشرة أعوام عندما أجري أول حوار مصور له عام ١٩٩٧ مع بيتر أرنت محرر شبكةcnn الشهير، لقد أراد بن لادن تمثل مشاهير التاريخ القديم وزعمائه وأنبيائه فيما يتعلق بوصاياهم الأخيرة. الجديد في الأمر أن بن لادن، 

وعلي عكس ما ذهب إليه كثير من الخبراء والمتابعين، وجه في هذه الرسالة أكبر تهديد للمجتمع الأمريكي بتخييره بين أمرين لا ثالث لهما، إما اعتناق الإسلام وإما استمرار الحرب. من قبل كان بن لادن يكتفي بطرح مطالب تبدو معقولة كخروج الأمريكان من العراق أو من جزيرة العرب أو كف الأذى عن المسلمين من أهل المنطقة.

لم يعرض بن لادن الإسلام بديلا لإنهاء الحرب علي الأمريكان سوي مرة واحدة في أكتوبر ٢٠٠٢ في رسالة شبيهة بتلك الرسالة عنوانها «الدعوة والتوعد» وفيها دعا بن لادن الأمريكيين الي تفهم رسالته وراء غزوتي نيويورك وواشنطن، مطالبا إياهم بالدخول في الدين الإسلامي كحل وحيد لإنهاء تلك الحرب وتجنب غزوات مماثلة عديدة. 

كان بن لادن وقتها في أوج عزه، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية محاصرة بالخزي والعار جراء ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر حيث تم مرمغة أنفها، وهي الدولة الكبرى في العالم، في التراب من قبل فتية قليلي العدد والعدة. 

كان بن لادن يتحدث وقتها بأسلوب المنتصرين في الحروب القديمة، لكنه وبعد سنتين علي هذا التاريخ غير بن لادن لهجته تماما، ففي التاسع والعشرين من أكتوبر ٢٠٠٤ وتحت عنوان «الحرب أسبابها ونتائجها» أرسل بن لادن رسالة جديدة إلى الشعب الأمريكي، نزل فيها بسقف مطالبه كثيرا، فبعد أن كان يدعو الشعب الأمريكي إلى الإسلام ثمنا لحقن دمائه بات يوضح له الأسباب وراء الحرب، مطالبا بإزالة الأسباب للوصول إلى نهاية لتلك الحرب في العراق وفلسطين وأفغانستان. 

بعدها أرسل بن لادن رسالة رابعة في العشرين من يناير ٢٠٠٦ بعنوان «السبيل لإنهاء الحرب» عرض فيها ولأول مرة هدنة علي الأمريكيين بعد تلك التي كان قد عرضها علي الأوروبيين عام ٢٠٠٣ وأوضح بن لادن أنه لا مانع لديه من إجابة الأمريكان إلي هدنة طويلة الأمد، بشروط عادلة ينعم فيها الطرفان بالأمن والاستقرار، ويتاح لنا - في إشارة لتنظيم القاعدة وحلفائه - بناء العراق وأفغانستان اللتين دمرتهما الحرب.

ست رسائل بعث بها بن لادن للشعب الأمريكي طوال ست سنوات هي عمر الحرب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر بدأت بدعوته إلى الإسلام، أو مواصلة الحرب، في أكتوبر ٢٠٠٢، وانتهت،كما رأينا وسمعنا، بذات الدعوة في ٢٠٠٧، وبين العامين جرت في النهر مياه غزيرة منحت التنظيم الإرهابي الأول في العالم القدرة علي محاصرة أكبر وأهم دولة في التاريخ، ويمكن تحديد أبرز هذه النقاط في الآتي:

الأولي: تمثلت في قدرة تنظيم القاعدة، بقيادة أسامة بن لادن ومعاونه الأول أيمن الظواهري، علي الصمود وامتصاص الضربات بالغة القسوة التي وجهت إليه، بل إنه استطاع أن يتطور ويزيد من فاعليته من خلال سهولة وبساطة الشعارات والأهداف التي يتبناها، وقدرة هذه الشعارات والأهداف علي التأثير في الشباب المسلم غير المنظم، ومحدود الثقافة والوعي الديني والسياسي. إضافة الي لجوء التنظيم إلي ابتكار أشكال تنظيمية جديدة، واعتماده علي فكرة التجنيد عن بعد، عن طريق استغلاله الجيد لشبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) واستغلاله الواسع لمعطيات التطور التكنولوجي الحديث، وبخاصة في مجالي أجهزة الحاسب الآلي والاتصالات، وهو ما يؤدي إلي تغذية التنظيم بالعديد من الأنصار الجدد كل يوم، ويجعل التصدي له صعبًا للغاية. كذا قدرة التنظيم علي الاحتفاظ بسلامة هيكله التمويلي وصعوبة تجفيف منابع تمويله.

الثانية: النظام الأمني المحكم داخل القاعدة، وهو ما يحول دون اختراقه والوصول إلي قياداته وكوادره الفاعلة الملتفة حول أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.

الثالثة: وفرة الخلايا النائمة المجهولة في كثير من البقاع المتناثرة، وهي الخلايا التي تمثل عنصر مفاجأة لأجهزة المخابرات والأمن في الدول والمناطق المستهدفة.

وتبقي الإشارة هنا إلي نجاح القاعدة في تجنيد واستقطاب كوادر تنتمي إلي الإطار العرقي الأصلي في المجتمعات الأمريكية والأوروبية والآسيوية والأفريقية، وهو ما يمثل عبئًا إضافيا علي الأجهزة المكلفة بالرصد والمتابعة، حيث تتسع دائرة الاشتباه، وتصعب فرص حصره في دوائر محددة.

فإذا أضفنا إلى كل ذلك سياسة الولايات المتحدة غير الموضوعية، في التعامل مع القضايا العربية والإسلامية بدءًا من القضية الفلسطينية والانحياز المطلق لإسرائيل وانتهاء بغزو أفغانستان واحتلال العراق وتهديد سوريا وإيران، ومرورًا بدعم الأنظمة المستبدة والمتسلطة في المنطقة، نعرف لماذا يعيش بن لادن آمنا مطمئنا ولماذا يستطيع بعد مرور ست سنوات من الحرب مع أكبر دولة في العالم أن يخرج علينا بمثل ما خرج به من تهديد ووعيد.