الجمعة 12 يوليو 2024

من أرشيف عبد الرحيم علي

عبد الرحيم علي يكتب: تاريخ الإخوان.. وتيار التجديد (2)

نُشر هذا المقال بجريدة المصري اليوم بتاريخ 17 أكتوبر 2007

نشر
عبد الرحيم علي

تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي عن الخلاف الجوهري بين من يمكن أن نطلق عليهم الحرس القديم في جماعة الإخوان المسلمين، ومن أطلقنا عليهم تيار التجديد.

وقلنا إن الهوة شاسعة والتباين واضح، ليس فيما يتعلق بقضايا الدولة المدنية والموقف من الآخر فحسب، وإنما - وهذا هو الأهم - فيما يتعلق بالمراجعة التاريخية، ووصلنا في نهاية المقال إلي استنتاج مفاده، أن الكرة لاتزال في ملعب الحرس القديم، يمررها كيفما يشاء، ولمن يشاء، ومتي يشاء.

ولكي نعرف معا صعوبة ما نتحدث عنه، وأهميته في آن، يجب أن نستحضر - معا - بعض الأمثلة الدالة من تاريخ الجماعة، لنتحسس جذور المشكلة المتعلقة بصعوبة وأهمية المراجعة النقدية لتاريخ الجماعة. 

وفي هذا المقال، سنبدأ بقضية العنف، فهي من جهة، أكثر القضايا والمواقف التي أثارت - ولاتزال - لغطا وتأويلا ومجاهرة وإنكارا، مقارنة بمجمل مسيرة الجماعة، ومن جهة أخري، كانت ولاتزال تمثل مرتكزا أساسيا لأغلب المؤرخين والدارسين لتاريخ الجماعة.. بل عكست تباينا واضحا في التعامل معها، حتي داخل صفوف الإخوان أنفسهم.

إذن، نحن أمام منطقة قد تبدو «غائمة وضبابية» في تاريخ الإخوان المسلمين، فكريا وحركيا، وهي تحتاج من تيار التجديد- إن كان مصمما علي الخروج من المأزق- إلي كثير من الوضوح ونفاذ البصيرة في التعامل معها.. لماذا؟ لأنها - من وجهة نظر كثيرين - تعتبر المفتاح السحري لكشف الغمة. 

وسنبدأ هنا بما جاء في مذكرة حل الجماعة ورد البنا عليه، لنستبين معا أين يضع الجميع أقدامه، أو أصابعه، إن شئتم. وقد جاءت تلك المذكرة ردا علي عدد من الحوادث التي قام بها الإخوان إبان تلك الفترة.

وفي معرض الحديث عما سمي حادث فندق الملك جورج، جاء في المذكرة: «وقد ثبت من تحقيق الجناية رقم ٤٧٢٦ لسنة ١٩٤٧ الإسماعيلية، أن أحد أفراد هذه الجماعة ألقي قنبلة بفندق الملك جورج بتلك المدينة، فانفجرت وأصيب من شظاياها عدة أشخاص، كما أصيب ملقيها نفسه بإصابات بالغة». 

ويرد البنا في مذكرته التي خصصها لهذا الغرض، قائلا: أما بالنسبة للجناية رقم ٤٧٢٦ لسنه ١٩٤٧، فقد ثبت أن الذي اتهم فيها غير مسؤول عن عمله، وسقط الاتهام ضده، ولايزال في المستشفي إلي الآن. فما وجه الاستشهاد بها في مذكرة رسمية؟ وهل تكون هيئة الإخوان المسلمين مسؤولة عن عمل شخص، يتبين أنه هو نفسه غير مسؤول عن عمله؟!

إلي هنا والكلام جميل، فمذكرة الحكومة تتهم الإخوان بتدبير حادث تفجير فندق الملك جورج بالإسماعيلية، ومؤسس الجماعة ومرشدها يرد بالنفي ويقدم الدليل، ولكنه لم يكن يعرف ما سوف تخبئه الأيام، ففي كتابه «حقيقة التنظيم الخاص» يقول محمود الصباغ أحد قادة النظام الخاص ومؤسسيه، في ص ٢٨٩: «لقد قام بهذا الحادث إخوان الوحدات بإشراف الأخ: صلاح شادي وقبض علي الأخ رفعت النجار جريحاً، بسبب عدم استطاعته الابتعاد عن موقع الانفجار في الوقت المناسب».

ويضيف زميله صلاح شادي، رئيس جهاز الوحدات آنذاك في كتابه «حصاد العمر»: «والتقي أمرنا داخل قسم الوحدات، علي القيام بعملية إرهاب داخل فندق الملك جورج، وكلفنا الأخ رفعت النجار من سلاح الطيران بالقيام بهذه العملية، بأن يحمل دوسيهاً، له مادة ناسفة يشعلها ثم يتركها في ردهة الفندق، وأصيب المنفذ في الحادث وقبض عليه، ولما كانت التهمة ثابتة، فقد أحضرنا له بعض الإخوة المحامين الذين دفعوا بأن قدراته النفسية والعقلية لا تضعانه في مستوي المسؤولية الجنائية». 

هكذا صاغ - ولايزال - قادة الإخوان تاريخهم، وكلما توغلنا قليلا ستعرفون معي لماذا تحدثت عن صعوبة القضية، حتي لو تعلقت بما قلت إنه تيار التجديد. ولماذا هي أهم لدي، ولدي كثير من الباحثين والمتابعين، من البرنامج السياسي وقبول الإخوان الدولة المدنية - إن حدث. 

ثانيا، حادث تفجير محكمة الاستئناف، وقد رد البنا علي متهمي الإخوان، بأن أطلق علي مرتكبيه أنهم «ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين». ولكن البنا كان يعلم جيدا أنه يجافي الحقيقة، فهو يعلم تمام العلم من فعلها وبأمر مَن. 

ولنقرأ ما جاء في كتاب محمود الصباغ السابق الإشارة إليه، حيث يقول عن الحادث في ص٤٥١: «وتمكن شفيق أنس من أن يضع حقيبة مملوءة بالمواد الحارقة معدة للانفجار الزمني بجوار دولاب حفظ أوراق قضية السيارة الجيب، إلا أن قدر الله قد مكن أحد المخبرين من ملاحظة شفيق، وهو يترك الحقيبة ثم ينصرف نازلاً علي درج المحكمة، فجري مسرعاً وحمل الحقيبة وجري بها خلف شفيق، الذي أسرع في الجري حتي لا تنفجر الحقيبة علي سلم المحكمة أو وسط حشود الداخلين في بهوها، ولما خرج إلي الميدان، حذر المخبر من الحقيبة، فتركها فانفجرت في ساحة الميدان دون إحداث خسائر تذكر، وقبض علي شفيق». 

هكذا تحدث قادة النظام الخاص عن جرائمهم، بلا مواربة، وهكذا كشفوا مجافاة البنا للحقيقة ومحاولته الالتفاف حولها دون وازع من ضمير، وهو ما يمثل حرجا كبيرا للجيلين والحزبين - إذا جاز التوصيف - الحرس القديم وتيار التجديد، مما يجعل من الحوار حول مثل هذه القضايا أقرب إلي المستحيل. ألم أقل لكم إن الأمر صعب؟! ونواصل في العدد المقبل.