الموقع الرسمي لـ عبد الرحيم علي

"عبدالرحيم علي" يكتب: بالقرآن والسنة.. لا وكلاء لله في الأرض

الأحد 28/أغسطس/2016 - 09:18 م
The Pulpit Rock
 
بعض الذين يسخطون في أمور الدين لا يقولون كما أدب الإسلام أهله، اجتهد صاحبنا فأخطأ فهو مأجور أو معذور‏،‏ وإنما يسارعون إجهازًا على الرأي يعارضونه فيتهمون صاحبه بالإثم والخطيئة والعدوان فيقولون‏:‏ ضل‏،‏ ومرق من الدين‏،‏ وكاد للإسلام والمسلمين‏..‏ والخطر الحقيقى في هذا المنهج أو اللا منهج الغريب على روح الإسلام وآدابه ومبادئه أن آثاره السيئة تصيب الجماعة كلها‏،‏ فإنه إذا خاف أصحاب الرأى حبسوا رأيهم‏، ‏وإذا أشفق العلماء على أنفسهم كتموا علمهم، وإذا افتقد الناس الرأى والعمل لم يبق لهم إلا الهوى الذي تتفرق به السبل وتختلط الأمور‏،‏ أو التقليد الذي يجمد به الفكر ويعم الحرج وتتوقف عند قوالبه الصماء حركة الحياة‏. (‏نفسه‏،‏ ص‏٩٧)‏ من أجل ذلك كان تصحيح منهج البحث والاتفاق على قواعد الخلاف بين العلماء والمجتهدين مسألة أولىة كما يقول المعاصرون لا بد من حسمها حتى يقبل أولو العلم على ممارسة الاجتهاد‏.‏

بعد مئات السنين من إغلاق باب الاجتهاد‏،‏ وبعد أن تحول الدين إلى منطقة مغلقة يسعى بعضهم إلى الحيلولة دون المفكرين والدخول إلى ساحتها وطرح رؤى مغايرة للسائد المهيمن‏،‏ يبدو ضروريًا أن تتغير المعادلة‏،‏ وأن يعاد النظر في كثير من القضايا والإشكالات التي ترفع فوقها رايات زائفة تحذر من خطورة الاقتراب والتفكير في طرح البدائل من منطلق اجتهادى مستنير‏.‏
الدين لا ينفصل عن الحياة ولا ينبغى له أن يبتعد عن كل جديد يطرأ عليها‏،‏ والدنيا التي نعيشها تقترن بكل ما هو جاد وخطير‏،‏ وليس بالشكليات والسفاسف والمعالجات الهشة المتهافتة‏.‏
إن الدين ضرورة اجتماعية‏،‏ ولا بد من التمييز الصارم الواضح بين مكانه ومكانته وبين جميع الأنشطة الإنسانية الأخرى الفصل حتمى بين العقيدة الدينية وما يرتبط بها‏،‏ وبين الاجتهادات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية‏،‏ إنها اجتهادات تستدعى الخلاف‏،‏ وتعتمد على البحث والتجربة‏،‏ وتخضع للصواب والخطأ‏.‏
الإيمان وليد التسليم والعاطفة‏،‏ وهو في حاجة أيضا إلى مناخ من الحرية التي ترتقى بذلك الإيمان العاطفى وتسلحه بالمنطق والعقل‏..‏ لن يضير الدين مخالفة غير المؤمنين وليس من مبرر للإرغام على الإيمان قهرا وإجبارا‏،‏ فالقرآن الكريم يعلنها صريحة مدوية‏:‏ «فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» «الكهف: ‏٢٩».‏
الإسلام عقيدة قوية‏،‏ ولا يستقيم أن يتحقق الإيمان الحقيقى به دون اقتناع عقلي‏،‏ ولا مجال لهذا الاقتناع بمعزل عن معرفة ما يقوله الآخرون‏،‏ ومثل هذه المعرفة تتطلب إتاحة الفرصة لحق المخالفين في إبداء آرائهم والتعبير عن وجهات نظرهم‏،‏ وهذا ما نص عليه القرآن في أكثر من موضع ستأتى الإشارة إليها في القسم الأول عن الحديث عن القرآن وحرية الرأى والتعبير، وهو عينه ما مارسه النبي ‏«صلى الله عليه وسلم‏»‏ في دولة المدينة كما سيتضح لنا بعد قراءتنا للقسم الثانى من هذه الدراسة الذي خصصناه لهذا الغرض‏.‏
وفى السياق نفسه‏،‏ يسعى القسم الثالث إلى البرهنة على أن قافلة الاجتهاد لم تتوقف عبر العصور، فما أكثر وأعظم المجتهدين الذين قالوا كلمتهم‏،‏ وأرضوا ضمائرهم‏.‏
توقفنا في الحلقة السابقة أمام ثلاث مسائل، والمحصلة النهائية نوجزها فيما يلي‏:‏
أولًا‏:‏ يحظى الإنسان بالاحترام والإجلال والتقدير في الآيات القرآنية الكريمة‏،‏ ومثل هذه المكانة الشامخة السامية تعني‏،‏ بالمنطق والضرورة‏،‏ الحق الكامل للإنسان في ممارسة إنسانية‏،‏ والتعبير عن ذاته‏،‏ وإعمال عقله وهو هبة إلهية فيما يواجهه من قضايا وهموم‏.‏
ثانيًا‏:‏ ثنائية الجبر والاختيار استهلكت كثيرا من الجهد في غير طائل، ذلك أن الإسلام في أصوله الواجب اتباعها يعلى من شأن الإرادة‏،‏ ويعامل الإنسان من منطلق أنه كائن حر مسئول‏،‏ وليس محكوما عليه منذ البدء بالوصول إلى نهاية محددة سلفا‏.‏
ثالثًا‏:‏ الاجتهاد فريضة غائبة‏،‏ لا بد من العمل على إعادتها إلى المكانة التي تجعل التصالح بين الدين والدنيا واقعا بديلا‏،‏ ومن العقل هاديا ومرشدا لما فيه خير الإنسان ومصلحته‏،‏ وإذا كان بعض المجتهدين قد أغلقوا قبل قرون باب الاجتهاد‏،‏ لأسباب قد تكون وجيهة ومبررة في إطار مرحلتها التاريخية‏،‏ فإن المطلب الذي يلح عليه العلماء المجتهدون في العصر الحديث هو إعادة فتح باب الاجتهاد والسعى إلى التسلح بالنظرة العصرية العقلانية في مواجهة ما يجد على الواقع من قضايا ومتغيرات‏.‏

القسم الأول‏:‏ القرآن وحرية الرأى والتعبير‏:‏
قرب نهاية القرن التاسع عشر‏،‏ كتب الإمام محمد عبده، مؤكدا أن المنهج الإسلامى لا يعتمد إلا على الدليل العقلي‏،‏ ولا يعرف الخوارق والمعجزات‏.‏
ويعلن الإمام الرائد أن الإيمان بالله سابق للاعتقاد في الرسل والإيمان بما أنزل عليهم من الكتاب والحكمة‏.‏
وبذلك يعلى محمد عبده من شأن العقل‏،‏ ويجعل منه مرشدا وهاديا‏.‏
الإيمان لا ينبع من القهر والإجبار فهو وليد المعاناة والتأمل والنظر‏،‏ وحصيلة منطقية لإجهاد الذهن في إطار من الحرية والاتكاء على الإرادة الواعية‏. (‏محمد عبده‏:‏ الإسلام بين العلم والمدنية ص‏٧٤).‏
الخطاب الذي يقدمه محمد عبده يبدو مختلفا عن السائد في عقود عديدة‏،‏ بل في قرون طويلة سابقة له، ولا يعنى هذا أنه يضيف إلى الإسلام ما ليس فيه‏،‏ بل إنه في حقيقة الأمر يحاول إزالة الكثير من الصدأ المتراكم عبر عصور الانحطاط والانغلاق والتزمت‏،‏ حيث إيثار السلامة والكسل العقلى باختيار الإيمان الموروث‏،‏ دون اعتماد على الدليل العقلى والتأمل الحر‏.‏ من هنا يتسم محمد عبده بريادة التجديد‏،‏ الذي استمرت مسيرته خلال عقود متتالية من القرن العشرين‏،‏ وهو تجديد يقابله تعنت وجمود المحافظين‏،‏ ممن يقدمون خطابا مضادا أكثر سهولة‏،‏ وأقل إرهاقا ومن ثم فهو الأوفر في شعبيته وقدرته على التأثير في عوام المسلمين‏.‏
ينتمى محمد عبده إلى تلك الطائفة من الأئمة المستنيرين‏،‏ الذين يؤمنون بأن النظر العقلى هو الأصل في الإسلام‏،‏ والعقل عنده مقدم على ظاهر الشرع عند التعارض‏.‏
يقول الشيخ‏:‏ «إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل‏،‏ وبقى في النقل طريقان‏:‏ طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه‏،‏ وتفويض الأمر إلى الله في علمه‏،‏ وطريق تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل» ‏(‏المرجع السابق ص‏٧٦).‏
التصالح مع العقل هو الأصل الثانى من أصول المنهج الإسلامى في الدعوة والحياة‏،‏ وكل تعارض معه يصبح بمثابة العقبة التي ينبغى العمل على إزالتها‏.‏
وانطلاقا من هذين الأصلين المتكاملين والمتشابكين‏،‏ يمكننا أن نصل إلى الأصل الثالث الذي ننشغل به في دراستنا هذه‏،‏ وبلغة الإمام محمد عبده‏:‏ البعد عن التكفير فإذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان‏،‏ ولا يجوز حمله على الكفر ‏(‏نفسه‏٧٧)‏ الاختلاف بين البشر هو القاعدة السائدة والغالبة‏،‏ وليس لأحد من المختلفين في الرأى أو الرؤية أن يدعى احتكار اليقين أو امتلاك الحقيقة المطلقة‏.‏ وفى هذا السياق يمكن لنا أن نقرأ القرآن الكريم لنرى كيف أن كثيرا من آياته تحتم حرية الرأى وتبيح الحق في التعبير دون قيد‏.‏
الحرية أساس الوجود الإنساني‏:‏
إن الحرية هي الأساس في وجود الإنسان في هذه الدنيا‏،‏ بل هي الأساس في خلق الله تعالى للكون‏،‏ وهى الأساس في فكرة اليوم الآخر‏.‏
الإنسان مأمور بالتفكر في الحكمة من خلق السماوات والأرض‏:‏ «إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، فالله تعالى لم يخلق السماوات والأرض عبثا‏،‏ لقد خلقهما لهدف حق وجعل لهما أجلا معينا يلحقهما التدمير بعده‏:‏ «مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُون»َ «الأحقاف‏:٣‏».
وكل إنسان له اختياره حين يوجد على هذه الأرض‏،‏ ويعيش فيها فترة عمره المقدرة له سلفا‏،‏ وبعد هذه الحياة يموت ويعود إلى البرزخ الذي منه جاء‏.‏
مطلوب من الإنسان في تلك الحياة أن يعرف أن الله أوجده في الدنيا لاختبار موعده في الحياة الأخري‏:‏ «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ» ‏«الملك‏:٢»،‏ اللافت للنظر أن الله تعالى قد جعل عناصر الاختبار متوازنة وعادلة‏،‏ فقد خلق الإنسان على الفطرة النقية‏،‏ أي الميزان الحساس الداخلى الذي يميز بين الخير والشر‏،‏ والذي يؤمن بالله وحده‏.‏
وفى مقابل هذه الفطرة‏،‏ سلط عليه الشيطان للغواية‏،‏ وأرسل له الرسل وانزل معهم الكتب السماوية‏.‏
وفوق ذلك كله‏،‏ خلقه حرا في أن يطيع وأن يعصي‏،‏ وفى أن يؤمن وأن يكفر‏.‏
وجعل له سريرة يحتفظ فيها بكل أسراره ونوازعه ومشاعره وهواجسه وأفكاره، بعيدة عن متناول كل مخلوق سواه، لتكون له ذاتيته المستقلة‏،‏ فإذا أراد أن يكون حرا كان حرا‏،‏ وإذا أراد بمحض اختياره أن يكون عبدا لغيره من البشر ومن الأفكار كان كذلك‏.‏
المهم أن الاختيار في يده هو‏،‏ وعن طريق هذا الاختيار يستعمل الإنسان حريته كما يشاء‏،‏ فإذا تسلط الآخرون عليه بقوانين غير إلهية وصادروا حقه في الكفر اختار هو في سريرته أن يكفر، بل إن ينكر الفطرة في داخله‏،‏ وينكر وجود الله الذي خلقه‏.‏
إلى هذا الحد خلق الله تعالى الإنسان حر الإرادة إلى الدرجة التي يصل فيها بتفكيره الحر إلى إنكار وجود الخالق ذاته (‏أحمد صبحى منصور‏:‏ حرية الرأى بين الإسلام والمسلمين ص‏٤٣)‏
لقد أعطانا الله تعالى حرية الإرادة في الدنيا ليختبرنا‏،‏ وانزل الدين الذي أمرنا باتباعه‏،‏ وانزل مع ذلك الدين كتبا سماوية ولم ينزل معها سيفا وملائكة تأمر الناس باتباع ذلك الدين ولم يجعل الجحيم في هذه الدنيا‏،‏ بحيث إن من يكفر ويعصى يؤتى به ليلقى في الجحيم أمام أعين البقية من البشر‏،‏ ولو فعل ذلك ما كان هناك اختبار أو امتحان‏،‏ والله تعالى لم يعط سلطته في الدنيا لبعض الناس ليعاقبوا باسمه من اختلف معهم في الرأي‏،‏ أو من كفر بالله‏.‏
والذين يدعون لأنفسهم هذا الحق المزعوم‏،‏ إنما يفسدون القضية من جذورها‏،‏ ويتقمصون دور الإله، حيث لا إله إلا الله‏،‏ ويتحكمون فيما رغب التحكم فيه رب العزة حين ترك العقل الإنسانى حرا بلا قيد‏،‏ ويفكر بلا حدود ويؤمن إذا شاء ويكفر إذا أراد‏،‏ ويعلن ذلك بجوارحه كيف أراد‏.‏
هذه الفئة من البشر‏،‏ علاوة على أنها تزيف دين الله وتغتصب سلطاته التي ادخرها لذاته يوم الدين‏،‏ فإنها أيضا تعطى الحجة لمن ينكر حساب الآخرة وعذاب النار‏،‏ وحجتهم أنه إذا كان هناك إرغام على الإيمان‏،‏ وإذا كان هناك إكراه في الدين‏،‏ فلا مجال حينئذ لأن يكون هناك حساب وعقاب يوم الدين‏.‏
بل إنهم يعطون دين الله تعالى وجها قبيحا متشددا دمويا متحجرا متأخرا‏،‏ ويسهمون في إبعاد أغلبية الناس عنه‏،‏ وهذا الوجه القبيح لا علاقة له بدين الله تعالي‏،‏ بل هو وجههم هم، وهو دينهم هم الذي يناقض دين الله تعالى جملة وتفصيلا. ‏(‏المرجع السابق ‏٤٤)‏
إن الإسلام لا يغلق باب التفكر الحر في وجه الإنسان‏،‏ بل يفتحه أمامه على مصراعيه‏،‏ والمجتهد في الدين الإسلامى لا إثم عليه فيما اجتهد فيه ولو أخطأ طريق الصواب‏،‏ بل من اجتهد عنده وأصاب فله أجران‏،‏ ومن اجتهد عنده وأخطأ فله أجر واحد‏،‏ فالمصيب يأخذ أجرين على اجتهاده وصوابه‏،‏ والمخطئ يأخذ أجرا واحدا فقط على اجتهاده‏،‏ ولا يثاب على خطئه بل يعذر فيه فقط‏.‏
وهناك فريق‏،‏ على رأسه الجاحظ والعنبرى من أئمة المعتزلة‏،‏ يرى أنه لا إثم على المجتهد مطلقا‏،‏ وإنما الإثم على المعاند فقط‏،‏ وهو الذي يعرف الحق ولا يؤمن به عنادا واستكبارا‏،‏ فالمجتهد المخطئ عند هذا الفريق غير آثم‏،‏ ولو أداه اجتهاده إلى الكفر الصريح‏،‏ لأن تكليفه عندهم بنقيض اجتهاده تكليف بما لا يطاق‏،‏ والتكليف بما لا يطاق ممتنع شرعا وعقلا‏.‏
وكل آيات القتال في القرآن ظاهرة في أن قتالنا الكفار مسوق بقتالهم لنا‏،‏ فنحن نقاتلهم على قتالهم لنا لا على كفرهم‏. ‏(‏عبدالمتعال الصعيدي‏:‏ حرية الفكر في الإسلام ص‏١٨)‏، ويذهب الشيخ محمود شلتوت إلى أن من لم يؤمن بالله ولا برسله ولا بنحو ذلك لا يكون كافرا عند الله يخلد في النار‏،‏ وإنما لا تجرى عليه في الدنيا أحكام الإسلام‏،‏ فلا يطالب بما فرضه الله على المسلمين من العبادات‏،‏ ولا يمنع مما حرمه الإسلام كشرب الخمر وأكل الخنزير والإتجار بهما‏،‏ ولا يغسله المسلمون إذا مات ولا يصلون عليه‏،‏ ولا يرثه قريبه المسلم في ماله‏،‏ كما لا يرث هو قريبه المسلم إذا مات ‏(‏محمود شلتوت‏:‏ الإسلام عقيدة وشريعة ص‏١١٢)‏ أما الحكم بكفره عند الله فهو يتوقف عند أن يكون إنكاره لتلك العقائد أو لشيء منها بعد أن بلغته الدعوة على وجهها الصحيح‏،‏ واقتنع بها فيما بينه وبين نفسه‏،‏ ولكنه أبى أن يعتنقها ويشهد بها عنادا واستكبارا‏،‏ أو طمعا في مال زائل أو جاه زائف‏،‏ أو خوفا من لوم فاسد‏،‏ فإذا لم تبلغه تلك العقائد‏،‏ أو بلغته بصورة منفرة‏،‏ أو صورة صحيحة ولم يكن من أهل النظر‏،‏ أو كان من أهل النظر ولكن لم يوفق إليها‏،‏ وظل ينظر ويفكر طلبا للحق حتى أدركه الموت أثناء نظره‏،‏ فإنه لا يكون كافرا يستحق الخلود في النار عند الله‏ (‏المرجع السابق ص‏٢٠)‏ وعلينا‏،‏ على ضوء هذا الفهم‏،‏ أن نعيد النظر في جميع الآيات الواردة في القتال في القرآن‏،‏ والآيات الواردة في الحرية الدينية‏،‏ لنعى أن القتال لم يشرع لإكراه الناس على اعتناق الإسلام كما يذهب البعض ممن أساءوا فهم آيات هذا الدين الحنيف‏،‏ وإنما شرع لحماية الدعوة ومنع الفتنة في الدين كما قرر الجمع الأكبر من علماء المسلمين الثقاة‏.‏
الأزمة الحقيقية أن بعض الدعاة يرددون بلا تبصر المفاهيم الفقهية التي تصادفهم في كتب أسلافنا العظماء، دون أن يتبينوا أن لهذه المفاهيم أصولا تاريخية تعود إليها‏،‏ وظروفا موضوعية سببت نشأتها‏،‏ وسوغت وجودها‏،‏ وأدت في ظلها وظيفتها‏.‏
يتضمن القرآن الكريم عشرات الآيات الدالة‏،‏ بشكل صريح مباشر‏،‏ على أن الإسلام يناصر حرية الرأى وحق التعبير وضرورة الاجتهاد وأهمية إعمال العقل‏.‏
وغنى عن البيان أن الأمر في حاجة إلى قراءة واعية مسلحة بروح العصر ومتمكنة من الإدراك الصحيح لجوهر القرآن‏.‏
يقرر القرآن أن الله تعالى لو شاء لجعل الناس جميعا أمة واحدة، أي خلقهم بلا اختيار منهم‏،‏ يولدون مهتدين كالآلات المبرمجة على الطاعة المطلقة‏،‏ ولكن الله تعالى شاء أن يجعلهم أحرارا مختلفى الرأى منهم المؤمن ومنهم الكافر‏،‏ منهم المهتدى ومنهم الضال‏،‏ وكل منهم حسب اختياره وحسب مشيئته‏ (‏أحمد صبحى منصور مرجع سابق‏٤٥)‏ يقول تعالى‏: «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ» «الأنعام‏:١٤٩‏»، أي أن مشيئته تعالى تتدخل لحمل الناس على الإيمان‏، ‏ولو شاء لكان الناس جميعا مؤمنين إذ لا يقف أمام مشيئته أحد‏،‏ والدليل على عدم تدخلها هو اختلاف الناس وحريتهم في الإيمان والكفر‏،‏ وسيظلون مختلفين لأنها مشيئته تعالى التي لا يعيقها شيء، يقول تعالى: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ‏«هود‏:١١٩»‏، أمام البشر خيارات مختلفة‏، ‏والله تعالى ينزل الكتاب ويبعث الأنبياء لتوضيح الحق من الباطل والعدل من الجور‏،‏ ويترك للبشر حرية الاختيار بين هذا وذاك‏.‏ يقول تعالي‏:‏ «وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ» «النحل‏:٩» والله تعالي‏،‏ حيث يدعو للحق ويذكر الناس به‏،‏ فإنه يقرر حريتهم في الاختيار ويسميها مشيئة أيضا‏،‏ أي يعلى من قدر هذه الحرية‏.‏
يقول تعالى‏:‏ «إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا» «المزمل‏:١٩‏» إذن فالهداية أمام الجميع‏،‏ ومن شاء فليهتد ومن شاء فليكفر‏.‏
وفى النهاية‏،‏ فكل نفس تهتدى لنفسها وتضل على نفسها: «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» ‏«المدثر‏:٣٨»‏
هل بعد هذا تأكيد على حرية البشر في الإيمان وحريتهم في الكفر أو اعتناق أي دين يشاءون؟

تعليقات Facebook


تعليقات الموقع

اقرأ أيضا