الموقع الرسمي لـ عبد الرحيم علي

عبدالرحيم علي يكتب: حرب المنافقين على الرسول

الأحد 28/أغسطس/2016 - 08:58 م
The Pulpit Rock
 
حرية الرأي للمنافقين لم تقتصر على التصريح العلنى والإعلان القولى، وإنما تعدت ذلك إلى التصرفات وتدبير الخطط‏،‏ بل والتآمر فى أحلك الظروف.‏ ولم يتدخل التشريع القرآنى إلا عندما جاوزوا الخط الأحمر، ووصل تآمرهم إلى درجة الإضرار بالدولة فى وقت كان الأعداء يحاصرونها من جميع الاتجاهات‏،‏ وذلك فى غزوة الأحزاب‏.‏ ونرصد خطواتهم التآمرية فى إعلان رأيهم‏،‏ من خلال تسجيل القرآن لها.

تآمر المنافقين‏
كانت للمنافقين حرية الفساد والدعوة إليه دون عقاب أو مساءلة جنائية، وإذا سُئلوا عن ذلك أجابوا بكل حرية أن ذلك هو الإصلاح من وجهة نظرهم‏،‏ «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ» (البقرة: ١١-١٢)، وبينما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كان المنافقون فى المدينة يفعلون العكس يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويرفضون إعطاء الصدقة‏،‏ ويعلنون موقفهم هذا فى جو من الحرية لا نتخيل حدوثه الآن‏،‏ والقرآن يسجل ذلك‏:‏ «الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ» (التوبة: ‏٦٧)، وكان المؤمنون فى المقابل كما وصفهم رب العزة‏:‏ «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (التوبة: ‏٧١-٧٢)، وكانت حدود الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى داخل المجتمع الإسلامى لا تتعدى حد النصيحة القولية دون إكراه أو إيذاء ودون تبرؤ من الشخص الواقع فى المنكر بل من فعله المنكر‏:‏ «وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّى بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ» (الشعراء: ٢١٥-٢١٦).
‏ كانوا يرفضون الاحتكام للرسول وهو الحاكم الرسمى للمدينة تعبيرًا منهم عن عدم اعترافهم بسلطته‏،‏ ويسكت عنهم النبى وينزل القرآن ينعى عليهم تحاكمهم للطاغوت مع أنهم يزعمون الإيمان‏:‏ «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا» (النساء: ٦٠-٦١).
وكانوا يرفضون المثول أمام القاضى الرسمى للدولة‏،‏ بل ويرفضون القانون الذى يسرى على كل فرد فيها‏،‏ ولم يكونوا يرضون بالحكم الإسلامى إلا إذا جاء فى مصلحتهم يقول تعالي‏:‏ «وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ‏» (النور:٤٨-٤٩)، والله تعالى يجعل طاعة التشريع القرآنى اختيارا من المؤمن، ويقول ما يفيد بأنه ينبغى للمؤمنين أن يسمعوه ويطيعوه، وحتى فى أوقات الحرب والطوارئ كانت لهم حريتهم الكاملة فى القول والعمل ضد الدولة التى يعيشون فيها‏،‏ مع أن الديمقراطيات الحديثة تلجأ للأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية فى تلك الظروف‏،‏ ولكن التشريع القرآنى كان مع الحرية إلى درجة تستعصى على المقارنة‏،‏ ونأخذ أمثلة من القرآن الكريم‏.‏
ففى «غزوة أحد»‏ كانت لهم حرية التقاعس عن القتال‏،‏ ثم يحملون مسئولية الهزيمة للمسلمين لأنهم لم يطيعوهم فى البقاء فى المدينة‏،‏ وينزل القرآن يرد عليهم‏:‏ «وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (آل عمران: ١٦٧-١٦٨)، وفى غزوة الأحزاب‏،‏ تجمع المشركون حول المدينة‏،‏ ولم يكن باستطاعة المنافقين الخروج منها، فأصابهم الذعر وأصبحوا طابورا خامسا للعدو فى الداخل‏.‏
يستهزئون بوعد النبى بالنصر، ويدعون لقعود المسلمين عن الجهاد ويتخلفون عن مواقعهم فى الحراسة‏،‏ وقد كان المسلمون فى وقت عصيب لا نجد أروع من وصف القرآن لهم:‏ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا» (الأحزاب: ١٠-١٣)‏.
ويقول تعالى يتحدث عن دورهم فى تحريض المؤمنين على عدم القتال والدفاع عن أنفسهم‏:‏ «قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا» (الأحزاب: ‏١٨).
وفى ذلك الموقف العصيب ظهرت ثلاث جماعات من المنافقين لكل منها دور تخريبى استدعى أن ينزل القرآن يهددهم ويضع لهم خطا أحمر ليقفوا عنده، يقول تعالى لهم‏:‏ «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا» (الأحزاب: ‏٦٠)، أى هددهم الله إن لم يكفوا عن اللعب بالنار سيعطى النبى الأمر بالتصرف معهم بما يستحقون‏.‏
وفى غزوة «ذات العسرة» تثاقلوا عن الخروج للقتال بحجة الحرارة الشديدة‏،‏ وكانت العقوبة أن حرمهم الله من شرف الجهاد مستقبلا‏،‏ وهذا هو كل ما فى الأمر‏،‏ يقول تعالي‏:‏ «ففَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِى الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ» (التوبة: ‏٨١)، وعقوبتهم فى الدنيا هى حرمانهم مستقبلا من شرف الجهاد‏،‏ يقول تعالى للنبي‏:‏ «وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (التوبة:٨٤).‏
ومن الآيات نعرف أن الجيش الإسلامى لم يكن فيه تجنيد إجباري‏،‏ وذلك تبعا للدستور القرآنى الذى ينص على أنه لا إكراه فى الدين، ومن هذا المبدأ كان التطوع بالنفس والمال هو الطريق الوحيد لتعبئة الجيش المسلم‏،‏ وهذا الجيش المتطوع هو الذى فتح البلاد ونشر الإسلام وهزم أكبر قوتين فى العالم وقتها‏.‏ وعن طريق نفس المبدأ لا إكراه فى الدين تمتع المنافقون بحريتهم فى رفض التجنيد والخروج للقتال، سواء كان للدفاع عن المدينة فى غزوة «الأحزاب» أو فى الخروج مع المسلمين فى حروبهم الوقائية فى الجزيرة العربية‏،‏ وكانت العقوبات ضدهم سلبية تتلخص فى معنى واحد هو الإعراض عنهم‏،‏ بعد أن أخبر رب العزة بكفرهم‏،‏ والله وحده هو الذى يعلم السرائر ولم يعط علمه بالغيب وبما فى القلوب لأحد وقد قال تعالي‏:‏ «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ» (النساء:‏٢٥)، والله تعالى تحدث عن ارتداد المنافقين بعد إسلامهم بالقول وبالفعل، وجعل عقوبتهم على هذه الردة فى الدنيا وفى الآخرة بيد الله تعالى وحده‏،‏ يقول الله تعالي‏:‏ «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِى الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ» (التوبة: ‏٧٤).‏
ووصلت معارضة المنافقين إلى حد التآمر على الدولة، واتخذ هذا التآمر صورًا شتى‏:‏
ـ إطلاق الشائعات خصوصًا فى أوقات الحرب‏،‏ وقد مر تآمرهم على المسلمين فى محنة الأحزاب فى وقت كان الخطر يشمل الجميع‏،‏ والله تعالى قال يهددهم: «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا» (الأحزاب: ٦٠)، أى كان بينهم مرجفون تخصصوا فى الدعاية السوداء بين المسلمين‏،‏ ولم تتوقف تلك الشائعات على وقت الحرب، بل كانت فى أوقات السلم أيضا‏،‏ والله تعالى ذكر بعض وسائلهم فى التشنيع فقال‏:‏ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِى الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا» (النساء: ‏٨٣) أى كانوا يذيعون الأسرار وينشرون الأقاويل والتكهنات دون الرجوع إلى الجهات المختصة‏.‏
ـ وبسبب كثرة شائعاتهم فى كل وقت فقد جعلوا المدينة خلية نحل تدوى فيها الأقاويل والتناجى بالأسرار، مع كون المدينة مجتمعا مفتوحا يتمتع بأقصى درجة من الصراحة والحرية السياسية والدينية‏،‏ ولكن التآمر هو الذى أظهر عادة التقول بالشائعات والتناجى للإيحاء بأن هناك أسرارًا وخفايا ومؤامرات‏،‏ وقد نهاهم الله عن عادة التناجى تلك‏،‏ ولكنهم لم يطيعوا واستمروا فيها عنادا، بل كانوا يدخلون على النبى صلى الله عليه وسلم يحسنون إليه فى الظاهر ويسيئون إليه فى الباطن‏،‏ ونزل القرآن فيهم‏:‏ «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (المجادلة: ٨)، وبسبب شيوع عادة التناجى فقد انتقلت إلى بعض المسلمين فى المدينة، فقال تعالى للمؤمنين‏:‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» (المجادلة: ‏٩). ‏ثم يبين الله تعالى الهدف من ذلك التناجى الذى أشاعه المنافقون‏:‏ «إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» (المجادلة: ‏١٠).‏
ـ ثم كانوا يتآمرون على النبى نفسه‏،‏ يدخلون عليه يقدمون فروض الطاعة ثم يخرجون يكذبون عليه ويتآمرون عليه‏،‏ وينزل القرآن يفضحهم، ولكن يأمر النبى بالإعراض عنهم‏:‏ «وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا ... غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا» (النساء: ‏٨١).‏
ـ وكان من نتيجة تآمرهم على المسلمين إيقاع الفرقة والفتنة بينهم‏،‏ ولذلك اعتبر القرآن تخلفهم عن الخروج إلى غزوة «ذات العسرة» خيرا للمسلمين فقال‏:‏ «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ» (التوبة:٤٧-٤٨).
ـ ووصل تآمرهم إلى حد الاتصال بأعداء المسلمين من المشركين واليهود وعقد تحالفات سرية معهم ضد حكومة النبي‏،‏ وفضح القرآن ذلك التحالف بين المنافقين واليهود فى أكثر من موضع‏.‏ وهذا الاتصال بحكومات معادية خصوصا وقت الحروب يعنى الخيانة العظمى فى أعين الديمقراطيات الحديثة‏،‏ ولكن حرية الرأى فى تشريع الإسلام أباحت هذا، وأبطلت مفعوله التآمري‏.‏ يقول تعالى عن اتصالهم بالمشركين وقت الحرب‏:‏  «الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ» (النساء: ‏١٤١).‏ أى كانوا يلعبون على السلم بين الطائفتين‏،‏ وتلك طبيعة النفاق‏.‏ وعن تحالفهم السرى مع اليهود يقول تعالي‏:‏ «فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِى أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ» (المائدة: ‏٥٢).‏
ويقول عن تحالفهم مع يهود بنى النضير‏:‏ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ ... مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ» (الحشر: ‏١١).‏
ويقول تعالى عن عقوبتهم الأخروية بسبب ذلك التحالف مع أعداء الإسلام‏:‏ «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (المجادلة: ١٤-١٥).
وتآمروا على طرد النبى والمسلمين من المدينة والامتناع عن الإنفاق على المؤمنين، وكشف القرآن هذا التآمر‏،‏ فقال تعالي‏:‏ «الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (المنافقون:٧-٨).‏
وحكى القرآن تفصيلا حيا لبعض أحداث التآمر مثل التجسس‏:‏ «وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (التوبة:‏١٢٧).‏ ومثل أوكارهم التى يجتمعون فيها للتآمر‏:‏ «وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ» (البقرة: ١٤-١٥)‏ أى أن الله يترك لهم الحرية للوصول فى طريق الفساد إلى منتهاه‏.‏
ـ ثم تمكنوا بالحرية التى يتمتعون بها من إقامة مسجد جعلوه وكرا للتآمر وللإضرار بالمسلمين والتفريق بينهم، وجعلوه ملجأ لكل متآمر على حكومة النبى والإسلام‏.‏ فقال تعالى فيهم‏:‏ «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» (التوبة: ١٠٧)‏.
وكان المسلمون يذهبون إلى ذلك المسجد بحسن نية‏،‏ ويبدو أن النبى كان يذهب إليه أيضا‏،‏ وهو لا يعرف ما يدور فيه‏،‏ نفهم هذا من الآية التالية التى نزلت تنهى عن الإقامة فيه‏:‏ «لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» (التوبة: ‏١٠٨).‏ وعلى خلاف ما ترويه بعض الروايات من أن النبى أحرق ذلك المسجد، وهذا يخالف منطق التشريع القرآنى فإن الآية بعد التالية تفيد ببقاء المسجد كما هو: «لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِى بَنَوْا رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (التوبة: ١١٠‏).‏
اكتفى النبى والمؤمنون بمقاطعة ذلك الوكر تنفيذا لقوله تعالى: «تَقُمْ فِيهِ أَبَداً‏».‏ وتلك هى السياسة التى كان يتبعها النبى فى سنته مع خصومه داخل الدولة‏،‏ الإعراض عنهم وتركهم يتمتعون بحريتهم فى إبداء الرأى بالقول والفعل‏،‏ حتى لو وصل ذلك إلى درجة التآمر‏.‏
وقد يقال إن تلك السياسة لا تجدى فى عالم اليوم، إذ لابد من اتخاذ تدابير وقائية أو تشريعات استثنائية لمواجهة التآمر على الحرية‏،‏ ولكن القرآن يضع العلاج الأمثل للوقاية من ذلك التآمر‏،‏ وهو المزيد من الحرية‏،‏ ومن التوكل على الله الذى خلق الإنسان حرا ولا يريد لأحد أن يتحكم فى حريته أو يصادرها على مراحل بسبب التخوف من أشياء محتملة قد تكون مجرد شكوك لدى أولى الأمر‏،‏ وفتح باب الاستثناء والاعتداء على الحرية ينتهى بالاستبداد المقنع، ثم بالاستبداد المكشوف‏.‏
يقول تعالى للنبي‏:‏ «وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا ... غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا» (النساء: ٨١)‏.‏ فالعلاج هو الإعراض عنهم والتوكل على الله تعالى، وكفى به مدافعا وكفى به نصيرا‏.‏
ثم إن نفسية المنافق تمتلئ بالشك والخوف وعدم الثقة فى أحد وعدم الولاء لأحد، وذلك يحكم على تآمرهم بالفشل عند نقطة معينة لا يجرأون بعدها على استكمال الخطط‏.‏
يقول تعالى عن خوف المنافقين الهائل من المؤمنين‏:‏ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ» (التوبة: ‏٥٦-٥٧).‏
وقد تحالفوا مع بنى النضير أن ينصروهم فى القتال ضد المسلمين، وإذا انهزموا وخرجوا فسيخرجون معهم‏.‏ ونزل القرآن يخبر بذلك التحالف السرى وينبئ بأن المنافقين سيتقاعسون عن نصرة اليهود‏،‏ لأنهم يخافون المؤمنين‏:‏ «لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (الحشر:‏١٢-١٣).‏ أى كانوا يخشون المؤمنين أكثر من خشيتهم من الله‏!!‏
والمؤمنون كانوا أقوى بالله وبتطبيق شرعه القائم على أنه لا إكراه فى الدين‏،‏ ولذلك نصرهم الله‏.‏ ومن الممكن أن ينصر الله المؤمنين اليوم إذا فهموا الإسلام على حقيقته‏.‏

تعليقات Facebook


تعليقات الموقع

اقرأ أيضا