الموقع الرسمي لـ عبد الرحيم علي

عبدالرحيم علي يكتب: حكم التعامل مع "أسرى الحرب"

الأحد 28/أغسطس/2016 - 08:57 م
The Pulpit Rock
 
مجرمو الحرب في فتح مكة
المشهور أن حكم أسير الحرب في الإسلام: القتل، أو الاسترقاق، أو المن بفك الأسرى بفداء أو بغير فداء. 
وقد جاء في كتاب «المبسوط» للسرخسى أن بعض الفقهاء لا يجيزون قتل الأسير، وأنهم استدلوا على ذلك بأن القتل لم يذكر في قوله تعالى: «فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم» ( محمد: ٤ )، ومن هنا ففى رأينا لا يجوز استرقاق الأسير أو قتله، لأن الآية لم تذكر الاسترقاق كما لم تذكر القتل. هذا هو حكم الأسير بالنظر إلى اشتراكه في القتال، فإذا كانت عليه تبعات أخرى أخذ بها، وحكم عليه بما يختص به كل ذنب من الحكم، والذين تكون عليهم تبعات في الحروب غير الاشتراك في القتال، هم الذين يعرفون الآن باسم «مجرمى الحرب».
وقد كان من مجرمى الحرب في فتح مكة جماعة استثناهم النبى صلى الله عليه وسلم من أهلها، وذلك أنه كان قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم من قريش، واستثنى من ذلك نفرا أمر بقتلهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة، وقد اختلف في عددهم، فقيل: إنهم عشر وقيل: إنهم خمسة عشر، وهذه هي أسماؤهم:
١- عبدالله بن خطل، وكان قد هاجر إلى المدينة مسلما قبل فتح مكة، ثم بعثه النبى صلى الله عليه وسلم لأخذ الصدقة من بعض القبائل، وبعث معه رجلا يخدمه من الأنصار، فنزل يستريح في بعض المنازل، وأمر الأنصارى أن يهيئ له طعاما، ثم نام إلى أن يهيئ له ذلك الطعام، فلما استيقظ لم يجده صنع شيئا، فاعتدى عليه فقتله وارتد مشركا، ورجع إلى مكة فأقام بها، وكان شاعرا، فجعل يقول الشعر في هجاء النبى صلى الله عليه وسلم.
٢- فرتنى، وهى سيدة كانت مولاة لعبدالله بن خطل، وكانت تتغنى بما كان يكتبه مولاها في هجاء النبى صلى الله عليه وسلم.
٣- قريبة، وكانت أيضا مولاة لعبدالله بن خطل، وكانت مثل صاحبتها تتغنى بهجاء النبى أيضا.
٤- هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى بن قصى، وكان قد عرض لزينب بنت النبى صلى الله عليه وسلم حين هاجرت من مكة إلى المدينة، وكانت حاملا، فنخس بها الجمل حتى سقطت على صخرة فأسقطت جنينها، ولم تزل مريضة من أثر ذلك حتى ماتت.
٥- الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصى، وقد شارك هبارا في نخس جمل زينب. وانفرد بجريمة أخرى من نوع هذه الجريمة، فعرض لفاطمة وأم كلثوم بنتى النبى صلى الله عليه وسلم حين هجرتهما، وكان العباس بن عبدالمطلب حملهما على جمل من مكة إلى المدينة، فنخس الحويرث بهما الجمل فرمى بهما على الأرض.
٦- مقيس بن صبابة، وكان قد هاجر من مكة إلى المدينة مظهرا الإسلام، وكان له أخ هاجر قبله يسمى هشام بن صبابة وقد قتل خطأ في غزوة بنى المصطلق، قتله رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو، فلما قدم صبابة على النبى صلى الله عليه وسلم من مكة قال له: «يا رسول الله، جئتك مسلما، وجئتك أطلب دية أخى، قتل خطأ فأمر له بدية أخيه»، ولم يقم إلا قليلا بالمدينة، ثم اعتدى على قاتل أخيه فقتله، وارتد إلى مكة مشركا.
٧- وحشى بن حرب غلام جبير بن مطعم، وكان قد قتل حمزة عم النبى صلى الله عليه وسلم غيلة في غزوة أحد.
٨- هند بنت عتبة زوجة أبى سفيان بن حرب، وكانت قد مثلت بقتلى أحد من المسلمين، فكانت هي ونساء معها يجدعن الآذان والأنوف، ثم يتخذن منها قلائد. وهى التي قامت ببقر بطن حمزة (عم النبى)، واستخرجت كبده، وحاولت أكلها، إلا أنها لم تستطع أن تستسيغها فلفظتها.
٩- عبدالله بن سعد بن أبى سرح بن الحارث كان قد أسلم وكتب للنبى صلى الله عليه وسلم ما ينزل عليه من الوحى، ثم ارتد، فزعم أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يملى عليه «عزيز حكيم» فيكتب «غفور رحيم» ثم يقرأ عليه فيقول: نعم سواء، فإن كان يوحى إليه فقد أوحى إلىّ، وإن كان الله ينزله فقد انزلت مثل ما انزل الله.
١٠- عكرمة بن أبى جهل بن هشام المخزومى، وكان هو وأبوه من أشد المشركين على النبى صلى الله عليه وسلم، وقد لقي مستضعفو المسلمين بمكة من أذاهما ما لم يلقوه من غيرهما.
١١- كعب بن زهير بن أبى سلمى، وكان يهجو النبى صلى الله عليه وسلم في شعره، ولما أسلم أخوه بجير جعل يعيره ويلومه على إسلامه.
١٢- الحارث بن هشام المخزومى، وهو أخو أبى جهل لأبويه، وكان مثله في شدة أذاه للمسلمين.
١٣- زهير بن أبى أمية المخزومى، وجرمه مثل جرم عكرمة والحارث.
١٤- صفوان بن أمية بن خلف الجمحى، وكان قد بعثه ابن عمه عمير بن وهب إلى المدينة عقب غزوة بدر، ليقتل النبى صلى الله عليه وسلم بمن قتل فيها من المشركين، فأمسكه وأخبره بما جاء من أجله، فدعاه هذا إلى الإسلام، لأنه كان سرا بينه وبين صفوان.
١٥ـ سارة مولاة بنى المطلب، وكانت مغنية بمكة فقدمت على النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فشكت إليه الحاجة، وطلبت منه الصلة فوصلها ومنحها بعيرا طعاما، فرجعت إلى مكة وقابلت إحسانه إليها بغنائها في هجائه.
هؤلاء هم مجرمو الحرب الذين حكم النبى صلى الله عليه وسلم بقتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، واستثناهم من أهل مكة حين أمر بقتال من يقاتل منهم، ونهى عن قتال من لم يقاتل منهم.
فأما عبدالله بن خطل فإنه ركب في يوم الفتح فرسه ولبس درعه، وأخذ بيده قناة، وصار يقسم: «لا يدخلها محمد عنوة». فلما رأى خيل المسلمين أدركه الخوف، فذهب إلى الكعبة وتعلق بأستارها، يظن أن ذلك ينجيه من القتل الذي يستحقه بقتله الأنصارى الذي كان يخدمه، فرآه النبى صلى الله عليه وسلم عند طوافه وهو متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه، فإن الكعبة لا تعيذ عاصيا، ولا تمنع من إقامة حد واجب»، فقتله أبوبرزة الأسلمى وسعيد بن حريث المخزومى.
وأما فرتنى فإنها هربت حتى استؤمن لها عند النبى صلى الله عليه وسلم فأمنها، وقد أسلمت فعفا عنها ولم يقتلها.
وأما قريبة فإنها قتلت ولم تسلم كما أسلمت فرتنى.
وأما هبار بن الأسود فإنه هرب، ثم طلع على النبى صلى الله عليه وسلم منصرفا من الجعرانة، فقالوا: يا رسول الله، هبار بن الأسود. فقال: قد رأيته. فأراد رجل القيام إليه، فأشار إليه أن اجلس. فوقف هبار فقال: «السلام عليك يا نبى الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وقد هربت منك في البلاد، وأردت اللحاق بالأعاجم، ثم ذكرت عائدياتك وصلتك وصفحك عمن جهل عليك، كنا يا رسول الله أهل شرك فهدانا الله بك، وأنقذنا من الهلكة، فاصفح عن جهلى، وعما كان يبلغك عنى، فإنى مقر بسوء فعلى، معترف بذنبى»، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: «قد عفوت عنك، وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام، والإسلام يجب ما قبله».
وأما الحويرث بن نقيذ فإنه دخل بيته وأغلق بابه، فقصده على بن أبى طالب رضى الله عنه لقتله، فقيل له: «هو في البادية»، فتنحى عن بابه وكمن له، فخرج يريد أن يهرب من بيت آخر، فتلقاه على فضرب عنقه.
وأما مقيس بن صبابة، فقتله نميلة بن عبدالله الليثى، وهو رجل من قومه.
وأما وحشى بن حرب فإنه هرب إلى الطائف، ولما خرج وفد من الطائف إلى المدينة ليعرضوا على النبى صلى الله عليه وسلم إسلام أهلها، ضاقت عليه المذاهب، وأراد أن يلحق بالشام أو اليمن أو بعض البلاد، فقال له رجل: «ويحك، والله إنه ما يقتل أحدا دخل دينه»، فخرج حتى قدم على النبى صلى الله عليه وسلم، فلم يدعه إلا به قائما على رأسه يشهد شهادة الحق، فلما رآه قال له: «وحشى؟».. قال: «نعم يا رسول الله».
فقال له: «اقعد فحدثنى كيف قتلت حمزة؟».. فقعد فحدثه كيف قتله، فلما فرغ قال له: «غيب وجهك عنى». فكان يتنكب النبى صلى الله عليه وسلم، حيث كان، لئلا يراه حتى قبضه الله.
وأما هند بنت عتبة فإنها اختفت في بيت زوجها أبى سفيان، ثم أسلمت وأتت النبى صلى الله عليه وسلم وهو بالأبطح، فقالت له وهو لا يعرفها: «الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره، لتمسنى رحمتك يا محمد، فإنى امرأة مؤمنة بالله مصدقة به»، ثم كشفت نقابها فقالت: «أنا هند بنت عتبة». فقال لها: «مرحبا بك»، ثم عفا عنها.
وأما عبدالله بن سعد بن أبى سرح، فإنه لجأ إلى عثمان بن عفان رضى الله عنه، وكان أخا له من الرضاع، وقال له: «يا أخى، استأمن لى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يضرب عنقى»، فغيبه عثمان حتى هدأ الناس واطمأنوا، ثم أتى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا رسول الله، أمنته فبايعه». فنظر إليه مليا ثلاثا، كل ذلك يأبى أن يبايعه، ثم بايعه بعد ثلاث وعفا عنه.
وأما كعب بن زهير فإنه خاف وخرج حتى قدم المدينة بعد رجوع النبى صلى الله عليه وسلم إليها، فأسلم أمامه ومدحه بقصيدته:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيم إثرها لم يفد مكبول
فلما وصل إلى قوله:
إن الرسول لنور يستضاء به
مهند من سيوف الله مسلول
رمى إليه بردة كانت عليه، وقد احتفظ بها كعب عنده إلى آخر حياته، ولما صار الأمر إلى معاوية بن أبى سفيان بذل له فيها عشرة آلاف درهم، فأبى أن يبيعها وقال له: ما كنت لأؤثر بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أعطانيه أحدا.
وأما عكرمة بن أبى جهل فإنه هرب ليلقى نفسه في بئر، أو يموت تائها في البلاد، وكانت امرأته أم حكيم أسلمت واستأمنت له النبى صلى الله عليه وسلم، فأمنه، فخرجت في طلبه حتى أدركته وأخبرته بما فعلت، فرجع معها، وأتى النبى صلى الله عليه وسلم، فأسلم وعفا عنه.
وأما الحارث بن هشام وزهير بن أبى أمية فإنهما هربا واختبآ عند أم هانئ بنت أبى طالب. وكانا من أحمائها، فدخل أخوها على عليها، وقال: «والله لأقتلهما»، فأغلقت عليهما باب بيتها ثم ذهبت إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال لها «مرحبا وأهلا بـأم هانئ، ما جاء بك؟».. فأخبرته بما يريد على من قتل من أجارته، قال لها: «قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما».
وأما صفوان بن أمية فاختفى وأراد أن يلقى نفسه في البحر، فأتى ابن عمه عمير بن وهب النبى صلى الله عليه وسلم، وقال له: «يا نبى الله، إن صفوان سيد قومه، وقد هرب ليقذف نفسه في البحر، فأمنه فإنك أمنت الأحمر والأسود»، فقال له: «أدرك ابن عمك فهو آمن». فخرج فأدركه وأتى به إليه، فقال له «إن هذا يزعم أنك أمنتنى»، فقال: «صدق». فقال له: «أمهلنى على الشرك شهرين»، فقال: «لك أربعة أشهر». ثم خرج إلى غزوة حنين وهو على شركه، ولما قسمت غنائمها أعطاه النبى صلى الله عليه وسلم مائة من الأبل، ثم مائة ثم مائة، ورآه يرمق شعبا مملوءا نعما وشاء فقال له: «يعجبك هذا؟» قال: «نعم». فقال له «هو لك وما فيه»، فقال: «إن الملوك لا تطيب نفسها بمثل هذا، ما طابت نفس أحد قط بمثل هذا إلا نبى، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله»، وكان ذلك قبل أن تنتهى المدة التي أمهل إليها.
وأما سارة فإنها استؤمن لها عند النبى صلى الله عليه وسلم، فأمنها، فجاءته فأسلمت، وعفا عنها.
فإذا نظرنا في هذا العدد الكثير الذي حكم النبى صلى الله عليه وسلم بقتله، نجد أن الذي نفذ فيه حكم القتل أربعة فقط، وأنه لم يقتل منهم أمام النبى صلى الله عليه وسلم، إلا واحد فقط، وهو عبدالله بن خطل، وقد قتل هو ومقيس بن صبابة قصاصا، لأنهما كانا قاتلين كما سبق، وأما الاثنان الآخران وهما: الحويرث بن نقيذ وقريبة مولاة بن خطل فإنهما لم يقتلا أمام النبى صلى الله عليه وسلم، ولو أنهما أسلما وأتيا النبى صلى الله عليه وسلم لعفا عنهما، وقد عفا عن هبار بن الأسود وكان أشد منهما جرما. ويبقى بعد هذا أن ننظر في السبب الذي سقط به حكم القتل عمن سقط عنه منهم، فهل بقى جرمهم بعد إسلامهم؟ فعفا النبى صلى الله عليه وسلم بما له من حق العفو، لأن جرمهم لم يصل إلى جرم القتل الذي حصل من ابن خطل، وقد حصل في حال شركهم، وهو يجعل لهم شيئا من العذر، ويجعل أخذهم بالعفو أولى من أخذهم بالعقوبة؟.. أو ذهب جرمهم بإسلامهم ولم يبق له أثر، لأن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: «الإسلام يجب ما قبله». وقد قال الله تعالى: «قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولىن» (الأنفال: ٣٨).
ولا شك أن الإسلام قد ضرب بذلك مثلا صالحا في معاملة مجرمى الحرب، ليعلم الناس أن الأولى أخذهم بالعفو بعد القدرة عليهم، وقد قال القدماء في أمثالهم: «القدرة تذهب الحفيظة».
فقد كان عدد هؤلاء المجرمين خمسة عشر مجرما، فعفا النبى صلى الله عليه وسلم عن أحد عشر منهم، ولم ينظر إلى ما كان منهم في حال كفرهم، لأنهم كانوا يعيشون قبل الإسلام في جهل وضلال، ويتأثرون في ذلك بأحوال بيئتهم، فلهم في ذلك شىء من العذر، وأخذهم بالعفو أولى وأجدر، والإسلام دين هداية ورحمة، لا دين تشف وانتقام، وقد قام أمره على نسيان الإساءة، وإيثار دفع السيئة بالحسنة، ليزيل العداوة بالصفح، ويمحو الخصومة بالعفو، حتى لا تكون هناك عداوة بين الناس، وإنما يكون بينهم السلام والمحبة.
أمان أهل مكة بعد الفتح
يوضح عبد المتعال الصعيدى، أن من المفسرين من يذهب إلى أن المراد من الفتنة في الآية «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله» هو الشرك. ولكن حمل الفتنة على الشرك بعيد عن معناها، وبعيد عما سار عليه القتال مع مشركى مكة وغيرهم، ولنا في فتح مكة أكبر دليل على أن قتال النبى صلى الله عليه وسلم لأهلها كان ردا على قتالهم له، ولم يكن لأجل إدخالهم في دينه، فقد سار إليها بجيش عظيم يكفى لإدراك غرضه من ذلك لو كان يريده، لكنه حين أمكنه الله منهم ونادي بالأمان قبل حصول الفتح بالفعل فيهم قال «من دخل الكعبة فهو آمن، ومن دخل داره وأغلقها عليه فهو آمن، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن».
ولم يذكر النبى صلى الله عليه وسلم في أمانه لأهل مكة، أن من أسلم فهو آمن، لئلا يفهموا أنه يريد أن يكرههم على الإسلام ليؤمنوا به، مع أنه لم يرد إلا أن يفتح مكة للمسلمين، ليمكنهم من الحج إليها، وهو ركن أساسى من أركان دينهم.
وليس لأهل مكة أن يمنعوهم من أدائه، لأن البيت ليس بيتهم وإنما هو بيت الله.
وإذا كان جمهور أهل مكة قد دخلوا بعد الفتح في الإسلام فإنهم دخلوا فيه طوعا لا كرها، ويؤيد هذا أن بعضا منهم بقى على الشرك ولم يسلم، وكانوا يبلغون بضعة وثمانين، فلم يكرههم النبى صلى الله عليه وسلم على الإسلام، ولم يظهر لهم شيئا من العداوة، ولم يعتد عليهم في أنفسهم وأموالهم، بل أبقاهم على ما كانوا عليه قبل الفتح، ولما سار من مكة إلى غزوة حنين أرادوا أن يسيروا معه، فأخذهم معه إليها، وأعطاهم من غنائمها مثلما أعطى المسلمين، بل ضاعف لبعضهم العطاء تأليفا لقلوبهم، فدخلوا في الإسلام طائعين بعد أن رأوا منه هذا الكرم، وبعد أن رأوا من مكارمه.
مثالان حول النصارى
أولا: قصة نصارى نجران
يكشف القرآن الكريم عن الحرية التي حظى بها المسيحيون، ليس في ممارسة شعائرهم الدينية فحسب، لكن أيضا في مناقشة الرسول صلى الله عليه وسلم، والحوار معه عن الفارق بين الدينين يقول تعالى: «فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين» (آل عمران: ٦١)، وقصة هذه الآية أن أهل نجران، وهم مسيحيون، كانوا قد أرسلوا وفدا لمقابلة النبى في المدينة، ومحاورته في أمر النبوة والرسالة. واستقبلهم الرسول في حفاوة، وطال الجدال بالتي هي أحسن دون اتفاق، وعندما عرض عليهم المباهلة، أي اللجوء إلى الله والدعاء ليصب لعنته على الظالمين، أبوا موافقته، وعادوا إلى بلدهم ومعهم كتاب أمان احتفظوا به لسنوات طويلة.
ولقد علمنا النبى صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الموقف أن الحوار لا يعنى الوصول إلى اتفاق، والاختلاف في الرأى مع الرسول نفسه لا يجب أن يتبعه إلحاق الأذى بالمعارضين أو المخالفين.
ثانيا: غزوة تبوك
لقد وصل إلى علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن نصارى الروم يعدون العدة لمهاجمة المدينة، فأعد الرسول جيشا سمى بجيش العسرة لمواجهة جيش الروم، وسار إليهم ليقابلهم في نقطة بعيدة عن المدينة (كعادة الحروب القديمة)، لكنه عندما بلغ تبوك وهى منطقة على حدود بلاد الروم، فلم يجد ما يشير إلى كيد أو تجهيز لحرب من قبل نصارى الروم.
فمكث هناك بضعة عشر يوما، يمد بصره وراء الصحراء، حيث يقع الرومان، يرقب منهم أي حركة، فلما رأى القوم قابعين مستكينين، قرر أن يقفل عائدا إلى المدينة. ولو كان هدفه الاعتداء لهاجمهم في ديارهم كما يفعل بعض مسلمى اليوم، لكنه لم يكن مأمورًا بذلك على الإطلاق.

تعليقات Facebook


تعليقات الموقع

اقرأ أيضا