الموقع الرسمي لـ عبد الرحيم علي

عبدالرحيم علي يكتب: طلقات "أئمة التنوير" في الإسلام

الأحد 28/أغسطس/2016 - 08:50 م
The Pulpit Rock
 
‏ أظهرت الحلقات السابقة‏،‏ من هذه الدراسة‏،‏ أن قضية حرية الرأى والتعبير‏،‏ حقوق إنسانية ثابتة ومصانة، ومؤكد عليها من خلال القرآن الكريم وسنة الرسول محمد‏‏ صلى الله عليه وسلم‏، التي تبعها خلال ما قام به في الدولة الوحيدة، التي أقام دعائمها في المدينة، وحكمها بنفسه طيلة عشر سنوات، وقد تجلى لنا أن هذه الحرية هي حق لكل إنسان‏، مسلمًا كان أم غير مسلم‏،‏ طالما أنه لم يعتد على أحد وآثر أن يعيش في سلم وأمن وسلام‏.‏
وكان الخلفاء الراشدون‏،‏ رضوان الله عليهم‏،‏ في طليعة من جسدوا‏،‏ بسلوكياتهم وممارساتهم‏،‏ جوهر الفكر الإسلامى النقى في جميع المجالات‏،‏ ومن المنطقى أنهم أولوا لحرية الرأى والتعبير مكانة سامية تتمثل بجلاء ووضوح في كثير من مواقفهم العملية المضيئة‏.‏ يظهر احترام أبى بكر الصديق لقيمة حرية الرأى والتعبير‏،‏ والالتزام بالشوري‏،‏ ورفضه لأساليب الحكم الاستبدادى في خطبته الأولى بعد أن تمت له البيعة‏..‏ وتأتى بلغة العصر كبرنامج سياسي للحكم حيث قال في تلك الخطبة‏ ـ البرنامج‏:‏
أما بعد‏، ‏أيها الناس‏،‏ فإنى قد وليت عليكم ولست بخيركم‏،‏ فإن أحسنت فأعينوني‏،‏ وإن أسأت فقوموني‏،‏ الصدق أمانة‏،‏ والكذب خيانة‏،‏ والضعيف فيكم قوى عندى حتى أرجع إليه حقه إن شاء الله‏،‏ والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه إن شاء الله‏،‏ لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل‏،‏ ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء‏،‏ أطيعونى ما أطعت الله ورسوله‏،‏ فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم‏.‏
وهذا المفهوم لأسباب الطاعة، لم يكن مشهورًا لدى العرب قبل أن ينطق به الصديق أبوبكر‏،‏ ليؤسس به أولى لبنات الحرية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم‏ «البشر‏»،‏ بعد أن كانت تقوم على الغلبة والقوة والبطش‏،‏ إن الالتزام بمفاهيم الشورى وحرية الرأي‏،‏ لم يكن معهودا في ذلك الوقت‏،‏ في الدولتين اللتين كانتا تحكمان العالم آنذاك‏‏ «دولة الفرس‏،‏ ودولة الروم‏»،‏ «عبدالمتعال الصعيدى، المجددون في الإسلام‏».‏
حرص أبي بكر، على توسيع دائرة المشاركة في الشورى، وتبادل الرأى بين المسلمين واحترامه وإعلانه للجميع‏،‏ دون تفضيل فريق أو جماعة أو إهدار لرأى فريق لصالح آخر‏.‏
وظل حرص أبى بكر، في خلافته على استشارة المسلمين، وأخذ رأيهم حتى قبل وفاته حينما حرص على التشاور، وأخذ الرأى فيمن يتولى خلافتهم بعده‏..‏ ولم يحدد رجلًا بعينه، وإنما ترك الأمر لجمهور المسلمين لإبداء الرأى واختيار خليفتهم‏،‏ فلما وقع اختيارهم بالإجماع إلا ما ندر ـ على عمر بن الخطاب أوصى به خليفة للمسلمين من بعده‏.‏
وحرص عمر في حكمه على التشاور في كل الأمور التي تخص المسلمين جميعًا‏،‏ والسعى الجاد لسماع كل الآراء‏، والخضوع لأى رأى يراه صوابًا مهما كان قائله‏،‏ وقد ظلت عبارته المشهورة‏‏ «أصابت امرأة وأخطأ عمر‏»‏ يرددها القاصى والدانى منذ فجر التاريخ وحتى الآن‏.‏
لا يضيق بالنقد، بل يوجه إليه من أي فرد من الناس كبيرًا كان أو صغيرًا‏،‏ وقد خطب في الناس عقب توليه مسئولية الخلافة قائلًا‏:‏ من رأى منكم فىّ اعوجاجًا فليقومه‏،‏ فقام رجل فقال‏:‏ لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا‏.‏
فقال عمر‏:‏ الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوّم اعوجاج عمر بسيفه‏،‏ ثم خطب يومًا فنهى عن التغالى في المهور‏، ‏فقامت امرأة فقالت أنصدقك يا عمر أم نصدق قول الله تعالى «وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا‏»،‏ النساء‏:‏ آية‏ ٢٠ فقال‏:‏ صدق الله وكذب عمر‏،‏ أو أصابت امرأة وأخطأ عمر‏.‏
رافق على بن أبى طالب الدعوة الإسلامية منذ بدايتها‏..‏ فقد أسلم وهو صبى في العاشرة من العمر‏، ‏أظهر تعففًا وإحجامًا عن الأخذ بزمام الحكم عندما دعى إلى ذلك بعد مقتل عثمان بن عفان‏،‏ لأنه كان مقتنعا أن الولاية‏ ـ ‏الحكم‏ ـ يجب أن تكون عن طواعية واختيار ليكون الحكم شعبيًا‏‏ «ديمقراطيا‏» لا طغيان فيه ولا استبداد‏..‏ وظل على موقفه حتى بايعه الناس على السمع والطاعة‏.‏
وعندما أشار عليه البعض‏ «بعدما طعنه أحد الخوارج»، بأن يأخذ البيعة لابنه الحسن‏..‏ قال لا آمركم ولا أنهاكم‏،‏ لأنه لم يكن يرى أن يفرض ابنه بالقوة على المسلمين‏، ‏بل كان يرى أن لهم حقا في قبوله أو رفضه‏،‏ ولم يقف أمر على عند هذا الحد، وإنما امتد احترامه لحرية الرأى إلى أن قال مقولته الشهيرة‏، عندما دعى إلى تحكيم القرآن في خلافه مع معاوية‏، ‏إنما ينطق به أفهام الرجال‏،‏ في إشارة واضحة لا لبس فيها إلى احترام الرأى والرأى الآخر، وإن كان الجميع ينطق بالقرآن‏،‏ مقرًا بأن ذلك يظل فهمه له وليس شيئًا آخر‏.‏
تولى عمر بن عبد العزيز خلافة المسلمين، وقد لحق بالحكم الفساد والجور والاستبداد، فسعى لإصلاح أحوال الحاكم والمحكومين واجتهد وأصلح وعاد للعمل بالشورى، مقدمًا أهل الرأى والخبرة على أهل الثقة وكذلك كان سعيه لإنصاف طوائف الأمة على اختلاف أجناسها وآرائها وعقائدها‏،‏ فأرضى بهذا المخالفين فيها قبل الموافقين، وقضى على الفتن والثورات الداخلية‏.‏
"أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب، وعمر بن عبدالعزيز" ممن أدركوا وطبقوا ما يدعو الإسلام إليه من مبادئ وقيم ومثل‏،‏ وحرصوا على التنفيذ العملى لما يدعو إليه الدين‏،‏ متكئين في سلوكهم على الوعى بما يبشر به الإسلام في أصوله النقية‏،‏ القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة‏.‏
وقبل استعراض بعض آراء واجتهادات ورؤى المجددين‏،‏ نتوقف أمام ملاحظتين مهمتين‏، الملاحظة الأولى‏:‏ أن هؤلاء الذين توقفنا عندهم ليسوا كل الجديرين بالدرس والتحليل‏، من ناحية لأن المساحة تضيق عن المتابعة التفصيلية لأعداد هائلة من المجددين الأصلاء‏،‏ ومن ناحية أخرى لأن الأسماء المختارة بمثابة عينة تصلح للتعبير الدال عما يهدف إليه البحث‏.‏
الملاحظة الثانية‏:‏ إن العرض التحليلى لمن نتوقف عندهم لا يشمل جميع جوانب اجتهادهم الحر المبدع‏،‏ فقد آثرنا أن ننتقى ما نرى أنه الأكثر أهمية وتميزًا‏،‏ والحصيلة النهائية تتجاوز الأفراد مهما يعلو شأنهم إلى الفكر الإسلامى الذي يستظلون به جميعًا‏،‏ فكلهم منتمون إلى هذا الدين ومجتهدون في إطار الانتماء إليه‏.‏
المجتهدون القدامى
المجتهدون القدامي‏،‏ الذين نتوقف أمام بعض عطائهم وإبداعهم هم‏:‏
‏1 ـ‏ أبوالحسن الأشعري‏:
أكد في سلوكه وحياته على مبدأ مهم، وهو واجب وحق الإنسان في تعديل فكره والعدول عن رأى إذا اكتشف خطأه‏،‏ والسعى للحوار والتفاعل مع الأفكار والرؤى المطروحة، بموضوعية ودون انحياز مسبق، وأكد الأشعرى في سلوكه وفكره أهمية التطور الفكرى، وعدم الجمود والبحث عن المشتركات في الأفكار المتباينة، وتقريب الآراء ووجهات النظر المتنافرة، وقد قاد التطور والانفتاح على مجمل الأفكار الأشعرية لتعزيز مفهوم التسامح الديني‏..‏ وهو من أهم الملامح التي يمكن رصدها في كتبه‏..

‏2 ‏ـ الفارابى‏..‏ المعلم الثانى
صاحب الفضل الأول على الفلسفة الإسلامية‏ «عبدالمتعال الصعيدى، المرجع سابق‏)‏ ص‏١٢٥:‏ ص‏١٢٦،‏ لأنه هو الذي وضع أساسها‏،‏ ورتب مسائلها‏،‏ ولهذا يعتبر أول فلاسفة الإسلام على الحقيقة‏،‏ ولقب بالمعلم الثاني‏،‏ كما كان أرسطو المعلم الأول‏..‏ أجاد اللغات التركية والفارسية واليونانية والسريانية والعربية‏..‏ وكان له جهد في تأسيس الفلسفة الإسلامية، فجمع ما ترجم قبله إلى العربية من علوم الفلسفة وهذبه ورتبه، وبهذا كان له فضل التجديد الفلسفى وقتها‏..‏ وكان ينظر في المسائل والآراء الفلسفية المختلفة بنظرة المجتهد‏،‏ ويدعو إلى الحقيقة ولو خالفت رأيه أو رأى أرسطو‏..‏ كما سعى لإصلاح آلية الحكم الإسلامى من خلال كتابه‏ «آراء أهل المدينة الفاضلة‏»‏ حث فيه على أهمية حرية الرأى والاعتقاد باعتبارها السبيل الوحيد لنهضة الأمم والارتفاع بالفلسفة إلى مراتبها القصوى.‏

‏3 ‏ـ ابن سينا‏..‏ الشيخ الرئيس
انشغل منذ صباه الباكر بالقراءة، ثم التأليف والتعليم نفسه ص‏١٤١:‏ ص‏١٤٢..‏ وفى زمنه كان العباسيون يحاربون أي فكر يخالف مذهبهم‏..‏ ويناوئون الفلسفة ويتهمون الفلاسفة بالميل لأفكار أعدائهم الفاطميين ويرمون من يخالفهم بالكفر‏..‏ لم يرهب هذا المناخ ودرس الفلسفة، ورفض الجمود والإرهاب الفكرى، وخرج من دائرة التقليد إلى براح التجديد، وكان يقول: حسبنا ما كتب من شروح لمذاهب القدماء‏،‏ فقد آن لنا أن نضع فلسفة خاصة بنا‏..‏ وقد حرص على التعامل الموضوعى العاقل مع الآراء والأفكار‏..‏ واجتهد في إصلاح الفلسفة الإسلامية واستحق لقب الشيخ الرئيس‏..‏ وقد حكم على أصحاب الجمود بالكفر‏..‏ ولكن ذلك لم يمنعه من الإخلاص للفلسفة وآراء الفلاسفة ذات إخلاصه لدينه وعقيدته، لأنه كان يؤمن بأنه لا خلاف بينهما‏.‏

‏4‏ـ ابن رشد
درس العلوم الدينية والعربية والفلسفة، دراسة دقيقة حتى امتاز على كل من قبله من الفلاسفة بجمعه بين العلوم الدينية والفلسفية‏،‏ فاستحق أن يعد من أئمة الفقه‏،‏ كما يعد من أئمة الفلسفة‏.‏ أطلق عليه فلاسفة أوروبا في أوائل عصر النهضة لقب «الشارح‏»..‏ لأنه كان أفضل من شرح فلسفة أرسطو‏..‏ أدرك ابن رشد مبكرا أنه لا عداء بين الفلسفة والدين‏.‏ لكن أنصار الجمود من رجال وفقهاء الدين تآمروا عليه وحاربوه واتهموه بالكفر‏،‏ لمخالفته آراء أصحاب نظريات الجمود والتقليد‏،‏ ورد الاعتبار للفلسفة‏،‏ التي أهدرها الغزالى في كتابه «تهافت الفلاسفة»، وجعل الجمود يخيم على العقول‏،‏ فكان كتاب ابن رشد «تهافت التهافت»، الذي أبطل فيه مزاعم الغزالى عن كفر الفلاسفة‏،‏ وكان رأيه بأنهم مجتهدون يثابون إن أصابوا ويعذرون إن أخطأوا‏، ثم كان كتابه فصل «المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، أكد فيه أنه لا خلاف بين الفلسفة والشريعة‏،‏ لأنه لا خلاف بين الدين والعقل‏،‏ وأعلى ابن رشد من قيمة العقل وحرية الفكر والتفكر‏،‏ وهو القائل‏:‏ إن الشريعة الخاصة بالحكماء، هي الفحص عن جميع الموجودات‏،‏ إذ كان الخالق لا يعبد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدى إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة التي هي أشرف الأعمال عنده وأحظاها لديه‏. «مجموعة مؤلفين‏:‏ النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد ص‏٢٧٠».

‏5‏ ـ نجم الدين الطوفى
جاء الطوفى‏،‏ الفقيه الحنبلى بمبدأ صارم قضى على الأسلوب المراوغ الذي عالج به الفقه السلفى المصلحة، وكان يفتئت عليها ويضيق بها كأن يقول إن الشرع يأخذ بالمصلحة، ثم يعود ليقول إن المصلحة الحقيقية هي في الشرع‏!.‏
فتح الطوفى هذا الباب الموارب على مصراعيه، وأعلنها مدوية صريحة أن المصلحة هي المقصد الأسمى الذي يجب الأخذ به، إذا حدث تعارض ما بينه وبين النص أو الإجماع كل على سواء‏.‏ ‏«‏د‏.‏ مصطفى زيد‏:‏ من تفسير الطوفى لحديث‏‏ «لا ضرر ولا ضرار‏»‏ رسالة دكتوراه قدمت ‏١٩٥٤‏ جامعة القاهرة ص‏٢٣».
وأكد الطوفى أن الأخذ بالمصلحة عند التعارض بينها وبين النص، لا يتأتى من باب الافتئات على النص‏،‏ ولكن من باب تأويله، ولا يقال: إن الشرع أعلم بالمصالح‏،‏ فلتؤخذ من أدلته لأننا قررنا أن رعاية المصلحة من خصائص الشرع، وهى أقواها وأخصها فنقدمها في تحصيل المصالح‏.‏
في الطوفى نجد المعالجة الصريحة الجذرية لقضية المصلحة، ونجد الإقامة الأصولية لها على أسس شرعية، لأنه انتهى إلى مبدئه عن طريق تفسيره لحديث «لا ضرر ولا ضرار»، وقد أثارت آراؤه ثائرة الفقهاء منذ أن قال بتقديم المصلحة‏،‏ التي تفتح الباب على مصراعيه للعقل وحرية الفكر والاجتهاد‏.‏

‏6 ‏ـ ابن خلدون
عند ابن خلدون نجد الرجل الوحيد تقريبا الذي تحرر من روح عصره بحيث استطاع أن يحكم العقل والمنطق في كل ما تركه الأسلاف من تراث‏،‏ في الفقه‏،‏ وفى الحديث‏،‏ وفى التفسير‏،‏ عقلانيته غلبت روح عصره بحيث كان تحرره شاملًا، واستطاع بهذه الصفة أن يرسى نظريته في الحضارة والعمران‏..‏ وأن يقرر أن الحكم يقوم على العصبية أو القوة، وأن حكم الرسول والخلفاء الراشدين، كان استثناء ولا يمكن إدراجه في صنوف الحكم، ثم تعرض لأكبر سببين يؤديان إلى تدهور الحضارات، وهما ظلم الحكام وترف المترفين‏،‏ وأن هذين إنما هما حصيلة لمبدأ قيام الحكم على العصبية أو الغلبة‏،‏ فكأنهما لصيقان بالحكم‏.‏
هذا كله إضافة إلى ما تضمنته المقدمة من تعقيبات وملاحقات لكل ثقافات عصره، سواء كانت في الفنون أو الآداب أو قواعد الاجتماع.. إلخ‏. «جمال البنا‏:‏ تجديد الإسلام وإعادة الإسلام وإعادة تأسيس منظومة المعرفة الإسلامية ص‏٣٤:‏ ص‏٣٥».‏ وقد كسب الغرب من ابن خلدون واستعاد آراءه كما استفاد من ابن رشد من قبل‏.‏ وكانت بلاده وأهله هم آخر المستفيدين منه‏.‏ بل إن فكرته عن الدولة، كان يمكن أن تنقذنا من غوائل الحاكمية الساذجة إذا كنا قد أوليناها اهتمامًا كافيًا‏.‏
المجتهدون المعاصرون

وقد استمرت أصوات التجديد المعاصرة في إخلاصها للإيمان بحرية الرأى والتعبير‏،‏ وتركز على قراءة مكثفة لبعض رموز التجديد من المعاصرين‏:‏

‏1‏ ـ الإمام محمد عبده
يقول الإمام محمد عبده‏ «مجدد القرن العشرين‏»، في كتابه الإسلام بين العلم والمدنية‏ «الإمام محمد عبده‏:‏ الإسلام بين العلم والمدنية ص‏٧٦:‏ ص‏٨٢‏ـ بتصرف‏»، إن الأصل الأول من أصول الإسلام‏،‏ هو النظر العقلي‏.‏ والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح‏.‏
والأصل الثاني‏:‏ هو تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض‏.‏
أما الأصل الثالث، فهو البعد عن التكفير‏:‏ فقد اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد أحكام دينهم، أنه إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان‏.‏ ولا يجوز حمله على الكفر‏.‏
والأصل الرابع‏:‏ الاعتبار بسنن الله في الخلق‏:‏ وهو ألا يعول بعد الأنبياء في الدعوة إلى الحق على غير الدليل‏،‏ وألا ينظر إلى العجائب والغرائب وخوارق العادات‏.‏
والأصل الخامس‏:‏ هدم السلطة الدينية‏:‏ هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحو أثرها، حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم‏.‏
لم يدع الإسلام لأحد بعد الله ورسوله سلطانا على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه على أن الرسول عليه السلام كان مبلغًا ومذكرًا لا مهيمنًا ولا مسيطرًا‏.‏
لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله وعن رسوله من كلام رسوله‏،‏ بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف، وإنما يجب عليه قبل ذلك أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم‏،‏ كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها وأحوال العرب خاصة في زمان البعثة، وما كان الناس عليه زمن النبى صلى الله عليه وسلم‏.‏
وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي‏،‏ وشيء من الناسخ والمنسوخ من الآثار‏.‏
فإن لم تسمح له حاله بالوصول إلى ما يعده لفهم الصواب من السنة والكتاب، فليس عليه إلا أن يسأل العارفين بهما، وله بل عليه أن يطالب المجيب بالدليل على ما يجيب به سواء كان السؤال في أمر الاعتقاد أو في حكم عمل من الأعمال‏.‏
فليس في الإسلام ما يسمى بالسلطة الدينية بأى وجه من الوجوه‏.‏

‏2‏ ـ عبد المتعال الصعيدى
أحد أهم المجددين الإسلاميين، فيما يتعلق بقضية حرية الرأى والتعبير‏،‏ كتب كتابين مهمين في هذا الإطار هما‏ «حرية الفكر في الإسلام‏،‏ والحرية الدينية في الإسلام‏».
حاول في الأخير شرح السياق الذي وردت فيه آيات القتال في القرآن الكريم‏.
يقول الصعيدي‏:‏ علينا أن نعيد النظر في جميع الآيات الواردة في القتال‏،‏ لننظر، هل القتال فيها لإكراه الناس على الإسلام كما ذهب اليه جمهور الفقهاء‏،‏ أو لأجل حماية الدعوة كما ذهب إليه الشيخ محمد عبده؟
فأول ما نزل في القتال قوله تعالى في الآيات «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا..» إلى آخر الآيات‏،‏ فهو إذن للمسلمين بقتال من قاتلهم من المشركين وأخرجهم من ديارهم بغير حق إلا أن قالوا ربنا الله‏،‏ ولا شك أن هذا صريح في أن قتالهم للمشركين لحماية دعوتهم منهم بعد أن قاتلوهم وحاولوا فتنتهم بالقتال عن دينهم‏،‏ فقابلوهم قتالًا بقتال لحماية الدعوة منهم‏،‏ وليس في هذا أدنى دلالة على أن قتال المسلمين لهم كان لإدخالهم في دين الإسلام‏، ‏كما ذهب إليه جمهور الفقهاء في تفسير آيات القتال‏.‏ وقد جاء في هذه الآيات أنه «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا»‏.‏ وهذا صريح في أن قتال المسلمين لحماية بيوت العبادة أن يهدمها أولئك المشركون ويمنعوا ذكر الله فيها‏،‏ ولم تفرق الآيات في بيوت العبادة، بين بيوت اليهود والنصارى والمسلمين‏،‏ لأن المسلمين مطالبون بالدفاع عن كل من يدخل في حكمهم على اختلاف أديانهم‏،‏ ومثل هذا لا يكاد يوجد في دين غير دين الإسلام‏.‏ ثم نزل بعد هذا قوله تعالى «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين» وقوله تعالى: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير»، فأمر في الآيتين بقتال المشركين حتى لا تكون منهم فتنة للمسلمين عن دينهم‏،‏ وحتى يكون دينهم خالصًا لله غير مزعزع ولا مضطرب‏،‏ لأن الدين لا يكون خالصًا له إلا إذا امتنعت الفتن عنه وقوى سلطانه‏،‏ حتى لا يجرؤ أحد على أهله‏،‏ فإن انتهوا عن الاعتداء علينا بالقتال وعن فتنتنا عن ديننا به انتهينا عنهم‏،‏ لأن لا عدوان إلا على الظالمين الذين يعتدون علينا‏،‏ ويحاولون فتنتنا عن ديننا‏،‏ والله تعالى بصير بما يعملون في الخفاء لكيد الإسلام من غير قتال‏،‏ فيحبطه ولا يمكنهم من الكيد لدينه‏،‏ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين‏.‏ ‏‏د‏.‏عبدالمتعال الصعيدي‏:‏ الحرية الدينية في الإسلام ص‏٣٠:‏ ص‏٥٤ ـ ‏بتصرف‏.‏

تعليقات Facebook


تعليقات الموقع

اقرأ أيضا