الموقع الرسمي لـ عبد الرحيم علي

عبدالرحيم علي يكتب: الوجه الآخر لـ"محمد سليم العوا"

الأحد 28/أغسطس/2016 - 08:43 م
The Pulpit Rock
 
- جمال البنا
يقول المفكر الراحل الأستاذ جمال البنا، فى كتابه "حرية الرأى فى الإسلام"‏:‏ إن الإيمان والكفر قضيتان شخصيتان وليستا من قضايا النظام العام التى تتصدى لها الدولة،‏‏ فمن آمن فإنه ينفع نفسه ومن كفر فإنه يجنى عليها، والله تعالى غنى عن العالمين‏‏، ولقد قرر القرآن الكريم عبر آياته أن الرسل وهم حملة الوحى وأولى الناس بقضية الإيمان والكفر ليس لهم من سلطة إلا التبليغ ولا يملكون وراء ذلك شيئًا، فالرسول ليس حفيظًا‏‏ ولا وكيلًا عن الناس، ولكنه بشير ونذير ومذكر ومبلغ، وأكدت الآيات أن الهداية من الله، وأن الرسول ليس مكلفًا بكفالة هذه الهداية لأحد، وأنه لا يملك أن يهدى من يحب،‏‏ وأن الاختلاف والتعددية مما أراده الله، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، وذكر الردة مرارًا‏‏ وتكرارًا وبشكل صريح دون أن يفرض عقوبة دنيوية عليها،‏ وأكد مرارًا أنه هو الذى يفصل يوم القيامة فيما فيه يختلفون‏.‏
ويتساءل البنا: هل ترك القرآن ‏(‏بعد كل هذا‏)‏ شيئًا لدعاة حرية الفكر والاعتقاد؟‏!..‏ ويجيب بالنفى مؤكدًا أن القرآن وصل إلى الغاية عندما حدد سلطة الرسل وهم أعلى الأفراد مسئولية فى مجال العقيدة‏.‏ بهذا التحديد الدقيق ‏(‏التذكير لا السيطرة‏)‏ وعندما صارح الرسول صلى الله عليه وسلم ليس عليك هداهم وأنه ليس إلا بشيرًا ونذيرًا،‏‏ مبلغًا ومنذرًا،‏‏ ووجهه بأنه لا يملك أن يهدى من يحب‏.؛ لأن الهداية بيد الله وحده‏‏، ونبيه ‏(‏أى الرسول‏)‏ فى استفهام استنكارى، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ وما عليك ألا يزكى.‏
وهكذا كان القرآن حاسمًا فى تقرير حرية الرأى والتعبير لكل البشر دون وصاية من أحد‏‏ حتى، ولو كان هذا الأحد هو الرسول ذاته‏. (‏جمال البنا‏:‏ حرية الفكر والاعتقاد فى الإسلام ص ‏6:‏ ص ‏48‏ بتصرف‏).‏

-‏محمد سليم العوا‏
بعيدًا عن مواقفه السياسية، التى سيحكم التاريخ لها أم عليها فى يوم من الأيام؛ فإن سليم العوا يعد من أكثر المفكرين المحدثين إسهاما فى تيار التجديد والإصلاح الدينى المعاصر‏‏ وفى كتابه "الفقه الإسلامى فى طريق التجديد" تناول بشجاعة ومسئولية الباحث المدقق القضايا الشائكة أو المسكوت عنها فيما يعرض على الفكر الإسلامى الحديث والمعاصر من تحديات‏..‏ وأصل لها، وخاض فيها بعلم ومعرفة، وقدم إجابات شافية واضحة لكل هذه القضايا والإشكاليات‏..‏ بداية من أن الاجتهاد ضرورة‏‏، وركز على ضرورة التفرقة بين قواعد الإسلام وتطبيقاتها‏‏ وموقف الإسلام من الديمقراطية والحكم والانتخابات وتداول السلطة‏.‏
ومن القضايا التى عرض لها د‏.‏ محمد سليم العوا قضية الخلافة‏‏ والتى تعد جوهر أفكار دعاة الدولة الدينية والهدف النهائى الذى يسعون إلى تحقيقه من كل حركاتهم وتحركاتهم.
يقول "العوا" فى كتابه الفقه الإسلامى فى طريق التجديد‏: ‏الذين يجعلون الطريق الوحيد إلى الإصلاح على أساس الإسلام هو وصول الإسلاميين إلى الحكم مخطئون‏؛ لأنهم بذلك يختزلون الدعوة‏،‏ أى لأنهم يختزلون الدعوة الإسلامية‏‏ والفكرة الإسلامية نفسها فى نطاق جزء صغير منها هو إقامة الحكومة التى يصدق عليها بالمعايير التى يتبنونها هم أنها إسلامية‏،‏ والحق أن الفكرة الإسلامية فكرة شاملة لجوانب الحياة الإنسانية كلها تنظم صغائر الأمور وكبيرها‏‏ إما تنظيمًا مباشرًا بنصوص صريحة فى أحوال محددة ومعدودة، وإما تنظيمًا غير مباشر وهو الأغلب الأعم بإرسال القيم التى يدور لها تنظيم الناس لحياتهم تنظيمًا يختلف بالضرورة من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان،‏‏ ولكنه لا يناقض القيم الإسلامية الثابتة الملزمة‏‏ ولا يخالفها ولا يجاوزها، حين يكون لها فى الأمر كلمة ليستمد من غيرها مصادر الفكر البشرى أو تجارب التنظيم الإنسانى أو سوابق التشريع الوضعى‏.‏
ولأن الإسلام شامل على هذا النحو، فإنه يتضمن فيما يتضمن القواعد الحاكمة للنظام السياسى الذى تقوم على بناء تفاصيله عقول المسلمين‏‏ حسبما تقتضيه مصالحهم فى كل عصر‏.‏
- الفرق الكبير بين القواعد والتفاصيل‏.‏
فالقواعد نصوص شديدة العموم والتجريد‏‏ صالحة لأن يستنبط منها أهل الاختصاص ما لا يحصى من النظم التفصيلية‏‏ التى قد تتباين تباينا لا نهائي‏ً‏ ما دام كل نظام منها يحقق المصلحة العامة للدولة الإسلامية فى الوقت الذى يطبق فيه‏.‏
ولا يبقى أى نظام تفصيلى ملزمًا إلا بقدر اختيار الناس له‏‏ واقتناعهم بفائدته وشعورهم بجدواه‏.‏
فإن هو قعد عن ذلك كله أو بعضه كان للناس الحق الكامل فى أن يستبدلوا به غيره ليحققوا مصالحهم العاجلة أو الآجلة بالطرق التى يرونها مناسبة لذلك ومؤدية إليه‏.‏
من هنا كان الإسلام، أعنى تشريعه النصى، لا يشتمل على نظام محدد المعالم والتفاصيل‏‏ ملزم إلى يوم القيامة‏‏ للحياة السياسية للدولة‏.‏ ولم يكن هذا كما ذهب بعض الباحثين فى انتقادهم لرأينا تقصيرًا من الرسول، صلى الله عليه وسلم، أو قصورًا فى الرسالة نفسها- تعالى الله عن ذلك- ولكن كان إيذانا من المشرع سبحانه‏‏ ومن الرسول، صلى الله عليه وسلم،‏‏ بأن الاجتهاد المشروع فى الإسلام يشمل هذا الجزء من تنظيم الحياة الإسلامية فيترك الأبواب مشرعة للمسلمين ليختاروا ما يصلح لهم بحسب أحوال كل عصر وظروف كل مكان‏؛ ولذلك كان الإلزام الإسلامى فى المجال السياسى بالقيم السياسية وحدها‏‏ دون التفاصيل كلها‏.‏
فنحن ملزمون بأن نقيم نظام الحكم فى الدول الإسلامية فى كل عصر على تحقيق إرادة الأمة عن طريق الشورى‏.‏
ولكننا لا نجد فى النصوص الإسلامية المحكمة نصًا يلزمنا بكيفية معينة للشورى ولا بعدد مخصوص لأهلها‏‏ ولا بأوصاف لأزمة فيهم‏‏ ولا بزمان لولاياتهم‏..‏ فكل ذلك‏‏ وغيره‏‏ متروك للاجتهاد الإسلامى يصنع‏‏ من خلاله‏‏ المؤهلون له ما يرونه محققًا لمصالح الناس‏.‏
ونحن ملزمون بتحقيق العدل بنصوص عديدة فى القرآن الكريم تأمرنا بالعدل فى القول والفعل‏‏ مع العدو والصديق وتنهانا عن الظلم‏‏ بدءًا من ظلم النفس‏‏ وانتهاء بظلم الآخرين‏‏ مهما بعدت بيننا وبينهم الوشائج والصلات‏.‏
ولكننا لا نجد نظامًا نصيًا محددًا لتحقيق هذا العدل‏.‏ ولا نجد طريقة واحدة منصوصا عليها لإقامته‏‏ فذلك كله متروك لاجتهاد الأمة‏.‏
ومثل ذلك يقال فى وجوب كفالة الحريات العامة‏‏ وفى المساواة بين الناس‏‏ وفى واجب الأمة فى مساءلة الحكام ومحاسبتهم‏‏ وفى حقها فى توليتهم وعزلهم‏‏، وفى واجبها فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،‏‏ وفى واجب الحكام فى إقامة الدين وتحقيق مصالح المحكومين‏..‏ فكل هذه المبادئ السياسية أو القيم الملزمة واجبة الإعمال‏‏، ولكن النصوص لا تبين كيفية هذا الأعمال وآلياتها‏‏ ولا جزاء مخالفة هذه القيم‏‏ ولا تربط بين تحقيقها الواجب وبين صورة أو صور معينة لتنظيم هذا التحقيق‏.‏
وكثير من المسلمين عامتهم وعلمائهم يرون أن الإسلام قد أتى بنظام الخلافة لتنظيم الحكومة الإسلامية‏.‏ ويرون هذا النظام بصورته التى طبق بها فى صدر الإسلام‏‏ ولا سيما فى عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، وهو النظام الواجب التطبيق فى زمننا هذا وفى كل زمن‏.‏
ولا شك أن الحياة البشرية لم تعرف‏‏ بعد عهود النبوات‏‏ عهدًا أكثر عدلًا وأمنًا وخيرًا للناس من عهد الخلافة الراشدة‏.‏ ولكن الخلافة الراشدة نفسها لم تكن سوى تنظيم صنعه الصحابة لرئاسة الدولة‏ الإسلامية على نحو يشير إلى اتباع المثل الأعلى الذى ضربه الرسول، صلى الله عليه وسلم، فى رئاسته للدولة الإسلامية ولم يكن هناك نظام محدد التفاصيل يحكم على الخلفاء حتى الأربعة الراشدين بل كان الاجتهاد هو الطريق الذى سلكوه‏‏ وسلكه المؤهلون من المسلمين‏‏ لتحديد التفاصيل فى عهد كل خليفة‏‏ على قرب هذه العهود بعضها من بعض‏‏ وقلة مواضع الاختلاف‏‏ وضيق مساحتها‏‏ بين عهد وآخر‏.‏
وإذا كانت هناك قاعدة تستفاد من هذا النظام باعتباره تنظيمًا لرئاسة الدول‏‏ فهى قيامه على ساقين‏:‏
أولهما‏:‏ هو أن ترشيح من يصلح للخلافة يتم بناء على شورى المسلمين لا يستبد به واحد ولا حزب ولا جماعة دون الأمة‏.‏
وثانيهما‏:‏ أن التولية نفسها لا تتم إلا ببيعة صحيحة صريحة من الأمة للمرشح الذى ترضاه لولاية أمرها‏.‏ وقد قام انتخاب الراشدين الأربعة جميعهم على هذين الساقين‏‏ وإن اختلفت الوسائل والأساليب من حالة إلى أخرى‏.‏
وترجمة هذا الأصل إلى لغة العصر السياسية تعنى أن الديمقراطية فى تنظيمها لاختيار الحكومات والحكام‏‏ كما تطبق فى العالم الديمقراطى فى هذا العصر‏‏ هى الوسيلة المثلى لتوليه الحكام وعزلهم‏.‏ ولم يعرف البشر حتى اليوم نظاما أفضل من نظام الانتخاب الحر المباشر الذى يصوت فيه الجمهور بحرية حقيقية‏‏ يشهدها الجميع‏‏ لمن يشاء الناس أن يتولى أمرهم‏.‏
ولا يلزمنا أن تكون البيعة الناتجة عن هذا الانتخاب أبدية‏‏ فيجوز بل يجب فى رأينا أن تكون لمدة محددة‏‏ ومن أحسن ما فعله الأمريكيون فى رئاستهم أنها لا يجوز تجديدها بعد المرة الثانية‏.‏
وكل الذى يقال ويكتب عن أبدية البيعة كان تصويرا لواقع العصور التى كتب فيها الفقه الإسلامي،‏‏ ولكنه ليس قواعد تشريعية ملزمة للناس كل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها‏.‏
والقول بذلك يدخل فيما ذمة الإمام القرافى فيما نقلناه عنه من قبل فوصفه بأنه جمود على المنقولات وجعله ضلالًا فى الدين وجهلًا بسنن الماضين‏.‏
ويمضى العوا مقتبسًا مما جاء به الأستاذ السنهورى رحمه الله فى كتابه فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية ليدعم ما توصل إليه فى كتابه السابق الإشارة إليه ويقول‏:‏ طرح الأستاذ السنهورى سؤالا عما إذا كان من جوهر الخلافة نفسها أن يكون منصب الخليفة لمدى الحياة‏‏ أم أنه يجوز تعيين الحاكم لمدة زمنية معينة محددة، وأن تنتهى ولايته تلقائيًا‏‏ عند انتهاء هذه المدة؟
ويقول الأستاذ الجليل‏:‏ إن أهمية هذا السؤال تبدو فى زاويتين‏:‏
الأولى‏:‏ إن القول بجواز تحديد مدة منصب الخليفة تجعل نظام الخلافة يماثل الأنظمة الجمهورية المعاصرة‏.‏
والثانية‏:‏ أن الجواب بالإيجاب ‏(‏أى بجواز تحديد مدة بقاء الحاكم فى منصبه‏)‏ له أهميته فى تحديد مدى شرعية النظم الجمهورية من وجهة نظر الفقه الإسلامى مثل الجمهورية التركية‏ (‏خصها بالذكر لأنها كانت الجمهورية الوحيدة فى البلدان الإسلامية‏‏ وكانت سائر البلدان الإسلامية ملكية أو إمارة وراثية‏‏ وكان جلها خاضعا للاستعمار العسكرى الغربي‏).‏
ويقول الأستاذ السنهوري‏:‏ إنه ليس هناك شك فى الإجابة‏‏ رغم أن مثل هذه الحالة لم تواجه من قبل نظريًا أو عمليًا فى تاريخ الفقه الإسلامى ورغم أن المفهوم التقليدى للخلافة أن تنصيب الخليفة يكون لمدى الحياة إلا إذا تنحى أو حكم بسقوط ولايته‏.‏ ولكن حسب رأينا لا يوجد فى مبادئ الفقه الإسلامى أى مانع من تحديد مدة الولاية‏.‏
ويعلق أستاذنا توفيق الشاوى فى مراجعته للكتاب على هذه المسألة بقوله‏:‏ إن الولاية تكون مدى الحياة فقط إذا لم يتضمن عقد البيعة تحديد المدة ولما كان عقد البيعة حرا فإنه يمكن أن يتضمن قيودا أو شروطا على سلطة الحاكم‏.‏ ومن الصواب أن يكون للناخبين من أهل الحل والعقد أن يجعلوا البيعة محددة المدة ليتمكنوا من مزاولة حقهم فى الإشراف على أعمال الحكومة وسياسة الحاكم الذى اختاروه‏.‏ وهذا كله خاص بالبيعة الحرة وهى وحدها التى تصح شرعًا‏.‏
وإذا كان الأستاذ السنهورى لا يرى مانعًا من تحديد مدة الحاكم‏ (‏الخليفة‏)‏ والأستاذ الدكتور توفيق الشاوى يرى أنه من الصواب أن يجعل للبيعة مدة محددة‏‏ فإن مبنى التحفظ الواضح فى كل منهما هو ما تقرره النصوص الفقهية والكلامية التقليدية من أن الخليفة لا يجوز عزله‏‏ وبعضها لا يجيز عزله ولو فسق وجار وخرج عن العدالة عند تعيينه‏!!‏
وليس لهذه النصوص الفقهية والكلامية سند صحيح من الكتاب أو السنة يتصل ببقاء الحاكم أو عزله‏.‏ والأسانيد المقبولة من حيث الرواية التى يستند بعض الفقهاء والمتكلمين إليها تشير إلى ضرورة تجنب الفتنة والفوضى وسفك الدماء‏.‏ وهذه المعانى وأمثالها توجب علينا‏ (‏لا تجيز ولا تصوب‏)‏ أن نجعل للحاكم‏‏ فى الفقه الإسلامى العصرى لنظام الحكم‏‏ مدة معينة لا يتجاوزها‏.‏ فذلك هو الذى يمنع الفوضى والفتنة‏‏ وهو الذى يحول بين الحكام وبين الاستبداد والطغيان اللذين تعانى منهما الأمة الإسلامية فى شتى أقطارها أضعاف ما تعانى منهما أى أمة أخرى ‏.‏
إن المقصد الأسمى لكل بحوث العلماء المتكلمين والفقهاء فى مسألة الحكم الإسلامى هو الوصول إلى صيغ مصالح الناس وتمكنهم من القيام بواجب الخلافة فى الأرض بما يتضمنه من ضرورة تنميتها وتعميرها والتمتع بخيرات الله التى خلقها لنا‏:‏ " فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ‏(ا‏لملك/ 15‏).‏
وكل طريق يحقق هذا المقصد يجب سلوكه‏‏ وكل اجتهاد يقعد عن تحقيقه فى وقت من الأوقات ولو كان قد حققه فى أوقات سابقة يجب العدول عنه ولا يجوز تقليده‏‏ ولا تصح الدعوة إليه‏.‏
وليس فى النظم البشرية نظام يحول بين الحكام وبين الجور والاستبداد‏‏ والاستئثار بالسلطة والثروة‏‏ وقمع المخالفين، ولو كانوا على حق أو شبهة حق بالقوة الغاشمة،‏‏ ليس فى النظم البشرية ما يحول دون ذلك كله‏‏ إلا تقرير تداول السلطة،‏‏ بحيث لا ينفرد شخص ولا جماعة ولا حزب ولا طائفة بحكم الناس إلى ما لا نهاية أو إلى أن يقع انقلاب عسكرى يأتى بمستبدين جدد‏‏ يحكمون بالطرق الظالمة والأساليب الغاشمة نفسها‏‏ وتداول السلطة لا سبيل إليه سلميًا إلا بتقرير المتبع بين الناس اليوم للانتخاب‏.‏
وبأن يكون هذا الانتخاب حرًا لا شبهة فى أن الناس يقبلون عليه ويبدون رأيهم من خلاله‏‏ غير هيابين ولا مكرهين‏.‏
وأن إرادتهم لا تزور بعد إبدائها‏.‏
وأن الذين يختارونهم بحرية هم الذين يتولون أمورهم إلى أمد معلوم‏.‏
وقديما قال ابن القيم الجوزية‏‏ فى كتابه الشهير "الطرق الحكمية" إن أى طريق أسفر بها الحق والعدل فثم شرع الله ودينه‏.‏ وهى مقولة صادقة لأن الله الذى تعبدنا بطاعته ممثلة فى اتباع القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية‏‏ تعبدنا أيضا بأن نحقق مصالح الناس فى حياتهم الدنيا بإقامة العدل والدفاع عن الحق وليس فى إبقاء الظلمة والفساق والجائرين متسلطين على رقاب العباد بدعوى أمن الفتنة شيء من ذلك كله‏.‏ ولهذا فإن الفقه الذى يستجيب لحاجات العصر فى مسألة تولية الحكام هو الذى يقول‏:‏ إنهم يولون لمدة محددة‏‏ بانتخاب حر وكل قول بغير ذلك مردود على صاحبه لأن حال الناس يعوج به ولا يستقيم‏.‏
ولا بأس على المسلمين‏‏ ولا تثريب‏‏ أن يأخذوا فى ذلك بالوسائل التى سبقهم إليها غيرهم من الأمم‏.‏ فإن صلاح حال الناس واستقامته غاية أعظم من أن تحول بيننا وبينها عقلية جامدة أو همة قاعدة‏.‏
والبأس والتثريب يلحقان المسلمين جميعًا إن هم قعدوا عن تحقيق مقتضى قواعد الشريعة وأصولها فى جلب المصالح ودرء المفاسد‏.‏ والذين لا يقبلون من النظم والأفكار والآراء إلا ما يجدونه مكتوبا فى كتاب من كتبنا القديمة ويحكمون على قومهم بالبقاء حيث كانت الدنيا منذ قرون‏‏ يتقدم الناس‏‏ وهم يتخلفون‏‏ ويسير الناس فى طريق المدنية وهم واقفون أو قاعدون‏.‏
والذين يرفضون كل فكرة سبقنا غيرنا إليها مهما كانت موافقة لمقتضى الشرع‏‏ ومحققة لمصالح الخلق‏‏ يخطئون الصحابة والتابعين الذين قبلوا كل جديد نافع مفيد ولو لم يكن لهم به فى زمن الرسول، صلى الله عليه وسلم، سابقة ولا عهد‏.‏

تعليقات Facebook


تعليقات الموقع

اقرأ أيضا