الموقع الرسمي لـ عبد الرحيم علي

عبدالرحيم علي يكتب: «إسلام» أحمد صبحي منصور

الأحد 28/أغسطس/2016 - 08:41 م
The Pulpit Rock
 
ونمضى في اجتهاد العوا، وبخاصة ما جاء به فيما يتعلق بالموقف من غير المسلمين في الدولة الإسلامية، وكذا الموقف من قضية الجزية التي اعتبرها الرجل في ذمة التاريخ‏.‏ يقول د‏.‏ العوا في نفس كتابه السابق‏ «الفقه الإسلامى في طريق التجديد» (ص‏٧٣:‏ ص‏٧٧):‏ الغالب على الدول الإسلامية المعاصرة أن شعوبها تتكون من نسبة كبيرة من المسلمين ‏ ونسبة أصغر من الذين يدينون بغير الإسلام من المسيحيين أو اليهود أو أهل الديانات الأخرى الذين يسن بهم سنة أهل الكتاب ‏(‏كالمجوس والصابئة‏).‏
والعلاقة المعتادة بين هؤلاء وهؤلاء هي علاقة المشاركة في الدار والأخوة في الوطن‏.‏
والوشائج الرابطة بين الفريقين وشائج ثابتة لا تهزها محن طارئة تعترض حياة الفريقين أو حياة واحد منهما‏.‏
وأواصر هذه العلاقة تشتد وتقوى إذا تعرض الوطن كله لمحنة عامة أو خاض حربا ضد عدو أجنبى أو واجه طغيانا من مستبد محلي‏.‏
وحين دخل الإسلام البلدان التي بعض سكانها لا يدينون به‏ ‏ نظم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين بمقتضى عقد يعرف في الفقه والتاريخ باسم عقد الذمة‏.‏
والذمة في اللغة هي‏:‏ العهد والأمان والضمان‏.‏
وفى الفقه هي‏:‏ عقد مؤبد يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم وتمتعهم بأمان الجماعة الإسلامية وضمانها، بشرط بذلهم الجزية وقبول أحكام دار الإسلام في غير شئونهم الدينية‏.‏ أما في تلك الشئون فإن المسلمين مأمورون بتركهم وما يدينون‏.‏
وقد مضى الزمن بهذا العقد وتطبيقه‏ والناس، مسلمون وغير مسلمين، يعيشون في سماحة وتفاهم ومودة شهد بها القاصى والداني،‏ إلى أن دخل الاستعمار العسكري الغربى جل بلاد الإسلام،‏ بل دخل كل بلاده التي تضم المسلمين وغير المسلمين‏ فانتهى بذلك وجود الدولة الإسلامية التي أبرمت عقد الذمة‏ ونشأت دولة جديدة‏ بعد مقاومة استمرت عقودا من السنين‏ للمستعمر الأجنبى، شارك فيها المسلمون وغير المسلمين على سواء‏.‏
والسيادة القائمة لهذه الدول الإسلامية الحالية مبينة على النشأة الحديثة لها التي شارك في صنعها المسلمون وغير المسلمين معا‏.‏ وهذه السيادة تجعل المواطنين في الدولة الإسلامية الحديثة متساوين في الحقوق والواجبات‏ التي ليس لها مصدر سوى المواطنة وحدها والتي تقررها دساتير الدول الإسلامية المعاصرة للمواطنين على قدم المساواة‏.‏
والذمة‏ من حيث هي عقد‏ يرد عليها ما يرد على جميع العقود من أسباب الانتهاء،‏ وقد انتهى العقد بانتهاء طرفيه‏:‏ الدولة الإسلامية التي أبرمته،‏ والمواطنين غير المسلمين الذين كانوا يقيمون في الأرض المفتوحة‏.‏ فقد فقد كلاهما نفوذه وسلطانه الذي به يستطيع الإلزام بتنفيذ العقد بدخول الاستعمار الأجنبى إلى ديار الإسلام‏.‏
وليس معنى أن الذمة عقد مؤبد كما يعرفه الفقهاء أن يستعصى على أسباب الانتهاء المعروفة لكل عقد،‏ وإنما التأبيد هنا معناه عدم جواز فسخه بإرادة الحكام المسلمين، وعدم جواز قبول ظلمهم أو سكوت المسلمين عليه إن وقع لأهل الذمة‏.‏
والجزية التي كانت شرطا لهذا العقد كانت مترتبة على عدم مشاركة غير المسلمين في الدفاع عن دار الإسلام‏ إذ كان الدين هو محور هذا الدفاع‏ وكان تكليفهم به تكليفا بما يشق أو لا يطاق،‏ فأسقطه عقد الذمة في مقابل الجزية‏.‏ لذلك فقد أسقطها الصحابة والتابعون عمن قبل من أهل الكتاب المشاركة في الدفاع عن دار الإسلام‏.‏
فغير المسلمين إذا أدوا واجب الدفاع عن الوطن لا يجوز فرض الجزية عليهم‏.‏ وهذا هو حالنا اليوم‏ فهم لا فرق بينهم وبين المسلمين في أداء واجب الجندية مما يجعل فكرة الجزية غير واردة أصلا‏.‏
يقول العوا في نفس الكتاب (ص‏٥٦:‏ ص‏٥٩‏): إن من المسائل المثيرة لجدل مستمر‏ بين الإسلاميين المعنيين بإصلاح أحوالنا السياسية على أساس من الإسلام،‏ مسألة ارتباط تطبيق المنهج الديمقراطى في اختيار الحكام وأعضاء المجالس النيابية، ومراقبتهم بضرورة السماح بإنشاء التجمعات السياسية الحزبية‏.‏ وأساس هذا الجدل أن ثمة موقفا تقليديا يقول‏:‏ لا حزبية في الإسلام‏.‏ وأن الحركة الإسلامية المعاصرة ورثت نقدا مرا صادقا للأحزاب التي كانت قائمة عند نشأتها وفى إبان بلوغها الذروة من النجاح الجماهيري‏.‏
وكثير من الذين يذهبون مذهب إنكار جواز تجمعات حزبية في الدولة الإسلامية، يؤيدون ذلك بحجج تتعلق بوحدة الأمة الإسلامية من مثل قوله تعالي‏:‏
«إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» (الأنبياء ـ‏٩٢‏).
وقوله تعالي‏:‏ «وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ» (المؤمنون ـ‏٥٢).‏
وهؤلاء يرون أن الحزبية بما تؤدى إليه من تجمع الناس حول مبادئ متعددة وأفكار متباينة تنافى المبادئ الإسلامية‏ بل النصوص القرآنية والنبوية‏ الذامة للفرقة والمادحة للوحدة‏، وهى نصوص يوحى مجموعها عندهم بأنه لا يجوز أن يكون في النظام السياسي الإسلامى ما يسمح بقيام أحزاب سياسية‏.‏
وهذا الفهم يقوم على أساسين‏:‏
أحدهما‏:‏ حال سيئة كانت عليها الأحزاب السياسية لا سيما في البلدان العربية عند نشوء الحركة الإسلامية الحديثة،‏ فتأثر فكر هذه الحركة بالواقع‏ وأقام عليه انتقاده لتلك الأحزاب انتقادًا يأخذ عليها ما تقع فيه من مثالب، سواء في معالجتها للقضية الوطنية أم في تعاملها مع القوى الأخري‏ عند تعارض المصالح بين بعضها والبعض الآخر‏.‏
وثانيهما‏:‏ فهم خاص للنصوص الإسلامية التي تتحدث عن وحدة الأمة فتزكيها، وعن الفرقة فتنهى عنها وتذمها‏، يذهب إلى انسحاب معانيها على التعدد السياسي في إطار الوحدة الوطنية أو القومية‏.‏
والحق أن نصوص الإسلام القرآنية والنبوية لا تمنع أن تقوم في المجتمع الإسلامى أحزاب سياسية بحال من الأحوال‏.‏
فالنصوص التي تتحدث عن الوحدة مدحا‏ وعن الفرقة ذما‏، إنما تتحدث عن الوحدة الدينية والعقيدية، كما يتبين من سياق الآية الثانية والتسعين من سورة الأنبياء التي يحتج بها المانعون لقيام الأحزاب؛ إذ هي ختام حديث طويل أتت فيه الآيات السابقة على ذكر كثير من الأنبياء‏ وما أصابهم من نعم الله ورحمته،‏ ثم اختتم النص القرآنى هذا السياق ببيان الصلة الرابطة بين أولئك الأنبياء السابقين عليهم صلوات الله وسلامه،‏ وإنهم جميعًا أمة الإسلام التي تعبد ربًا واحدًا‏.‏
والأمر نفسه يجرى في الآية الثانية والخمسين من سورة المؤمنون،‏ فالسياق كله يحكى قصص ما أصاب بعض الأنبياء من تكذيب أقوامهم لهم، حتى يصل إلى عيسى ابن مريم وأمه‏ ليذكّر عند ذلك بأن أمة الأنبياء واحدة وأن ربهم تبارك اسمه واحد‏.‏
فالوحدة الممدوحة هي تلك الوحدة في الدين التي تعنى أول ما تعنى أن يُعبد الله وحده ولا يُشرك معه أحد،‏ ولا يُشرك من دونه شيء‏، مع الإيمان الصريح الصادق بجميع النتائج الاعتقادية التي تترتب على عقيدة الألوهية والتوحيد فيها،‏ والربوبية والتسليم لها،‏ والفرقة المذمومة هي الفرقة في هذين الأمرين أو في النتائج المترتبة عليهما‏.‏
وهذا كله ليس من السياسة في شيء، والذي نحن فيه من جواز أو وجوب قيام الأحزاب السياسية في النظام الإسلامى لاعلاقة له من قريب أو بعيد بالعقيدة، وما يتصل بها أو يترتب عليها من نتائج‏.‏
فخلاصة الاجتهاد الجديد في هذا الأمر أن الإسلام لا يضيق نظامه السياسي بالتعددية الحزبية‏، وأن كل حزب لا يقوم على نقض الإسلام أو هدم مبادئه هو حزب يجوز له أن يدعو إلى ما يريد في الدولة الإسلامية‏.‏
والفيصل بين الأحزاب وبعضها هو صندوق الانتخاب الحر الذي يقرر الناس فيه تولية من يختارونه لقيادة شئونهم مدة محددة من الزمن،‏ ثم يرد الأمر إلى الناس مرة ثانية ليأتوا بغير هؤلاء إن شاءوا‏ أو يعيدوهم إلى موقع القيادة إن أرادوا،‏ وبغير ذلك نهدر حق الأمة في الاختيار، وهو الأساس الأول في التنظيم السياسي الإسلامي‏.‏

أحمد صبحى منصور
والرجل له اجتهادات مهمة جلها كان منصبًا على قضية حرية الرأى والعقيدة.
يقدم منصور في دراسة مهمة نشرت بمجلة «الإنسان والتطور‏»‏ حول العلاقة بالأخر (عدد ‏٦٠‏ مارس ‏١٩٩٨‏ ص‏١١:‏ ص‏٢٣)-‏ تصورا جديدا حول علاقة السلام بالإسلام‏ يقول‏:‏ إن السلام هو الأصل في مفهوم الإسلام‏ وفى علاقات المسلمين بغيرهم‏ وفى تشريعات الجهاد في الإسلام‏، فطبقا لمصطلحات القرآن ولغته الخاصة‏ فإن كلمة الإيمان لها استعمالان‏:‏ (آمن بـ)‏ و(آمن لـ).‏ (آمن بـ) أي اعتقد،‏ مثل قوله تعالي‏:‏ «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»‏ (البقرة‏: ٢٨٥).‏
والاعتقاد هنا بمعنى الإيمان القلبى الباطني‏ أو التعامل مع الله تعالي،‏ وفى ذلك يختلف البشر حتى خلال الدين الواحد والمذهب الواحد،‏ والقرآن يؤكد على تأجيل الحكم على الناس في اختلافاتهم العقيدية إلى يوم القيامة،‏ حيث يحكم بينهم وحده في ما كانوا فيه يختلفون‏.‏
الاستعمال الثانى هو (آمن لـ) أي وثق واطمأن وأصبح مأمون الجانب يطمئن له الناس ويثقون فيه‏.‏
ويتكرر هذا المعنى في القرآن، خصوصًا في القصص القرآني‏؛ ففى قصة نوح قال له المستكبرون‏: «‏قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ» (الشعراء‏:١١١)؛ أي كيف نثق فيك ونطمئن لك وقد اتبعك الرعاع؟!‏ وفى قصة إبراهيم «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّى إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ‏ (العنكبوت‏: ٢٦).‏
وقصة يوسف «قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ» (يوسف‏:١٧). وقصة موسى «وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ» (الدخان‏:٢١). «فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ» (المؤمنون‏:٤٧).‏ وفى حديث القرآن عن أحوال النبى محمد في المدينة «وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» ‏ (آل عمران‏: ٧٣).‏
«أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (البقرة‏: ٧٥). ومواضع أخرى كثيرة‏.‏
فكل من تأمنه وتثق فيه هو إنسان مؤمن في مصطلحات القرآن،‏ أما عقيدته‏ إن كانت بوذية أو إسلامية أو مسيحية أو يهودية فهذا شأنه الخاص بعلاقته مع ربه،‏ والله تعالى هو الذي سيحكم عليك وعليه وعلى الجميع يوم القيامة‏.‏
وقد جاء الاستعمالان معا لكلمة الإيمان في قوله تعالى عن النبى محمد «وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏» (التوبة‏: ٦١)،‏ أي يؤمن بالله، أي يعتقد فيه وحده إلها‏، ويؤمن للمؤمنين أي يثق فيهم ويطمئن لهم‏.‏
والخلاصة أن الإيمان معناه في القرآن هو الأمن في التعامل مع الناس،‏ وكل إنسان يأمنه الناس ويثقون فيه يكون مؤمنا،‏ ومعناه في التعامل مع الله تعالى هو الاعتقاد فيه وحده إلها لاشريك له،‏ والحكم على هذا الاعتقاد الذي يختلف فيه الناس مرجعه الله تعالى وحده يوم القيامة،‏ وبالتالى فإن المهم في تعامل الناس فيما بينهم أن تسود بينهم الثقة والأمن والأمان‏..‏ أو السلام‏..‏ أي أن الإيمان في الإسلام هو قرين السلام في التعامل بين الناس‏.‏
ثانيا‏:‏ مفهوم الإسلام‏:‏ وهو مثله مثل مفهوم الإيمان في القرآن،‏ له معنى ظاهرى في التعامل مع الناس‏، ومعنى باطني‏ قلبي‏ اعتقادى في التعامل مع الله‏.‏
الإسلام في معناه القلبى الاعتقادى هو التسليم والانقياد لله تعالى وحده،‏ والإسلام بهذا المعنى نزل في كل الرسالات السماوية على جميع الأنبياء وبكل اللغات القديمة، إلى أن نزل أخيرا باللغة العربية‏ وصار ينطق بكلمة الإسلام التي تعنى الاعتقاد والتسليم والانقياد والطاعة المطلقة لله وحده «قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)» (‏الأنعام‏).‏
وهذا هو معنى الإسلام في الاعتقاد‏ والذي سيحكم الله تعالى عليه يوم القيامة؛‏ لأن الله تعالى لن يقبل يوم القيامة دينا آخر غير الخضوع أو الاستسلام له وحده‏، وذلك معنى قوله تعالي‏:‏ «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ» ‏(آل عمران: ١٩). «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (‏آل عمران‏: ٨٥)،‏ فالإسلام هو الخضوع لله تعالى بكل اللغات وفى كل زمان ومكان وفى كل الرسالات السماوية‏.‏ إلا أنه عندنا مع الأسف قد تحول إلى مجرد وصف باللغة العربية لقوم معينين في عصور معينة‏.‏
والله تعالى لا يهتم بما يطلقه البشر على أنفسهم من ألقاب وتقسيمات‏ مثل الذين آمنوا والذين هادوا ‏(‏اليهود‏)‏ والنصاري‏ والصابئين ‏(أي الخارجين على دين أقوامهم‏)؛‏ لذلك فإنه سبحانه وتعالى يؤكد أن الذين يؤمنون إيمانا باطنيا وظاهريا ‏(‏بالأمن والأمان مع البشر وبالاعتقاد في الله وحده‏)‏ ويعملون الصالحات ويؤمنون باليوم الآخر ويعملون له‏ فهم من أولياء الله تعالي‏ سواء كانوا من المؤمنين أتباع القرآن،‏ أو من اليهود أو النصارى، أو من الصابئين «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» ‏ (البقرة‏: ٦٢)‏.
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» ‏(‏المائدة‏: ٦٩).‏ أي أن من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحا فهو عند الله قد ارتضى الإسلام أو الانقياد لله،‏ سواء كان من المسلمين أو اليهود أو النصارى أو الصابئين‏ في كل زمان وفى كل لسان‏.‏ وذلك ما سنعرفه يوم القيامة‏.‏ وليس لأحد من البشر أن يحكم على إنسان بشأن عقيدته‏ وإلا كان مدعيًا للألوهية‏.‏
هذا هو معنى الإسلام الباطنى القلبى الاعتقادي،‏ هو عند الله تعالى استسلام وخضوع له بلغة القلوب،‏ وهى لغة عالمية يتفق فيها البشر جميعا مهما اختلف الزمان والمكان واللسان،‏ وعلى أساسها سيكون حسابهم جميعا أمام الله تعالى يوم القيامة‏.‏
أما الإسلام في التعامل الظاهرى فهو السلم والسلام بين البشر مهما اختلفت عقائدهم، يقول تعالي‏:‏ «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ» ‏(‏البقرة‏: ٢٠٨)؛‏ أي يأمرهم الله تعالى بإيثار السلم‏.‏
ونتذكر هنا أن تحية الإسلام هي السلام‏.‏ وأن السلام من أسماء الله تعالي‏.‏ وكل ذلك مما يعبر عن تأكيد الإسلام على وجهه السلمي‏ ويؤكد المعنى السابق للإيمان بمعنى الأمن والأمان‏.‏
وبعد أن استعرضنا جهود تيار التجديد في الفكر الإسلامى في مجال حرية الرأى والتعبير نتوقف أمام قضيتين مهمتين‏..‏
الأولى‏..‏ عن فضل مدرسة التجديد والاجتهاد في الفكر الإسلامي‏.‏
والثانية‏:‏ حول العوائق التي وقفت حائلا دون تفعيل آراء هذا التيار وحدّت من انتشاره‏.‏

١‏- فضل مدرسة التجديد والاجتهاد‏:‏
رصد الشيخ أمين الخولى في كتابه «المجددون في الإسلام» -ص‏١٥٨:‏ ص‏١٦٨- (‏بتصرف‏)‏، أن هذه المدرسة سعت إلى بعث عدد من المفاهيم التي حاولت مدرسة الجمود طمسها طوال قرون عديدة وهي‏:‏
■ التطور الاعتقادى ضرورة حيوية لصالح الدين والدنيا‏.‏
‏■‏ ضرورة انتشار مفاهيم التسامح الدينى ورحابة الأفق‏.‏
‏■‏ حرية الاعتقاد وحق الفهم الصحيح للدين جزء ثابت من حقوق الإنسان‏.‏
‏■ ‏تحرير العقيدة الإسلامية من الأوهام التي تجعلها تقف في مواجهة العقل أو العلم‏.‏
‏■ ‏فهم الدين على أنه إصلاح للحياة لا طقوس وأشكال‏.‏
‏■ ‏إدراك البعد الاجتماعى للدين وأهمية العدل والمساواة‏.‏
‏■ ‏إثبات أن الدين وسيلة لمقاومة الظلم ومجابهة الطغيان، لا أداة في يد الحكام لتبرير طغيانهم‏.‏
‏■ ‏التشديد على أن دور رجل الدين الوقوف مع الحق والعدل لا مع السلطان الجائر‏.‏
‏■‏ عدم تدخل رجال الدين في شئون الحياة العامة ووجوب فصل الدين عن الدولة‏.‏
‏■ ‏سعة الأفق والانفتاح المعرفى والعلمى على كل المعارف والخبرات الإنسانية‏.‏
‏■‏ الدعوة للابتكار والتجديد ورفض الجمود والتقليد‏.‏
‏■‏ أهمية أن يتحلى رجل الدين بالثقافة المدنية وسعة الأفق بجانب ثقافته الدينية‏.‏

‏٢‏ـ العوائق التي حدت من انتشار تيار التجديد والاجتهاد‏:‏
يحدد د‏.‏ عبدالمتعال الصعيدي في كتابه المعنون بنفس عنوان كتاب الشيخ الخولي-‏رحم الله الجميع وجزاهم عنا وعن المسلمين كل خير‏- «المجددون في الإسلام»، ص‏٤٣٥:‏ ص‏٤٣٨ (‏بتصرف‏)‏- العوائق التي حدت من تأثير تيار التجديد والاجتهاد والإصلاح في الفكر الإسلامي‏..‏ ولخصها في الآتي‏:‏ 
‏■ ‏الحكم الاستبدادي‏..‏ حيث فساد الحكم واستبداده يحول دون حرية الفكر وإطلاق مبادرات الإصلاح‏.‏
‏■‏ عدم شمولية رؤى الإصلاح‏:‏ فلم تكن رؤى الإصلاح شاملة،‏ بل اهتمت بالجزئيات‏ وتركت الكليات‏..‏ وبمعنى معاصر‏ ضرورة الرؤية الإصلاحية الشاملة سياسيا واقتصاديا وفكريا ودينيا‏.‏
‏■ ‏سيطرة أفكار ورؤى مدرسة الجمود والتقليد، وقدرتهم على التأثير في جموع الشعب‏..‏ على العكس من تيار التجديد والإصلاح الذي لم يستطع التوصل إلى إيجاد تيار جماهيرى يؤيده ويدافع عن رؤاه‏.‏
‏■ ‏خوف الحكام من الإصلاح ورجاله‏:‏ فقد كانت الحكومات تنظر لأفكار الإصلاح‏ (‏بشكل عام‏)‏ على أنها ثورات واجتهادات مناوئة ورافضة تسعى لتقويض سلطانهم‏.‏
ولكن تظل المراهنة على المستقبل قائمة‏ حيث تلوح في الأفق إمكانية نهوض حركة تجديدية إصلاحية تثق في إمكانات المجتمعات الإسلامية وقدرتها على تجاوز الضعف والوهن الذي تعيش فيه،‏ وفى نفس الوقت تؤمن بأن استنهاض طاقات المسلمين يكون بإصلاح الفكر الدينى وتقديم صورة حقيقية لصحيح الإسلام،‏ وأن الإسلام قوى بقدرته على الإقناع‏ وبمناصرته لحقوق الإنسان ودفاعه عن قيم الحق والحرية ومساندته للضعفاء والفقراء‏، واعتماده العدل منهجا للحياة‏ حيث لا فرق بين الناس بسبب الجنس أو العقيدة‏..‏ وإدراك المجتمعات الإسلامية أن التدهور الذي حدث لها يعود لحالة الجمود التي سيطرت على فكرهم ورؤيتهم لدينهم‏..‏ وإيمانهم القوى بأن فتح أبواب التجديد والاجتهاد والإصلاح هو الأساس الذي سيأتى من ورائه العزة والمنعة والصلاح‏.‏

تعليقات Facebook


تعليقات الموقع

اقرأ أيضا