الثلاثاء 27 سبتمبر 2022

من أرشيف عبد الرحيم علي

عبدالرحيم علي يكتب: محمد بن سلمان وليًّا لعهد السعودية.. مصر في عقل الجيل الجديد

نُشر هذا المقال بموقع البوابة نيوز يوم الأربعاء 21/يونيو/2017

نشر
عبد الرحيم علي


«جيل جديد يقود الخليج».. قد يكون هذا عنوانًا مُغريًا للبعض، بل قد يكون مثيرا لكثيرين، لكننى أدعو الجميع للتأمل، وإلى إعمال العقل خاصة وقد سبق لنا أن تنبأنا بكل تلك الأحداث منذ أكثر من عام، وبالتحديد في شهر مايو ٢٠١٦ عندما تناولنا في حلقات عشر حملت عنوان "قراءة في ملفات الأمن القومي العربي"، فصلا من فصول وسيرة الجيل الجديد في الخليج.

تحدثنا وقتها عن الأمير الواعد محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودى آنذاك وولي العهد الحالي باعتباره أحدث الوجوه على الساحة. كان وصف جريدة الإندبندنت البريطانية له آنذاك باعتباره أخطر رجل فى العالم، غريبًا بعض الشيء فهو طبقا لما قالته الجريدة البريطانية واسعة الانتشار أمير شاب لديه طموحات كبيرة، ويضع أعداءه فى الداخل والخارج نصب عينيه، ويسعى لأن يكون القائد الأقوى فى الشرق الأوسط. 

تقرير الإندبندنت مهم وخطير، وقد يكون أهم ما جاء فيه خاتمته، التي ذكرت بالنص: إن محمد بن سلمان الذى يريد أن يظهر بصورة جده الملك عبد العزيز كمحارب سني يوازن بين الخيارات المطروحة، من الممكن أن يفكر فى توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وهى الفكرة التى وصفتها الصحيفة بالمخيفة. 

اختلفنا وقتها مع كاتب التقرير وقلنا: إنه فاته أن يتوقف عند تصريح للأمير محمد بن سلمان نفسه، فبعد أن أعدمت المملكة العربية السعودية الشيخ نمر النمر الشيخ الشيعى الذى تجاوز فى حق رموز المملكة، وأشاع الفتنة فى البلاد وبين العباد، جرى الحديث حول احتمالية حرب بين السعودية وإيران، لكن محمد بن سلمان حسم الأمر. 

ففى ٨ يناير ٢٠١٦، نقل موقع «العربية نت» تصريحات بن سلمان لمجلة «إيكونوميست» التى قال فيها: «إن السعودية لن تسمح باندلاع حرب مباشرة مع إيران»، وحذر من أن ذلك سيكون كارثة كبرى، واعتبر أن قرار بلاده قطع العلاقات مع إيران جاء لتجنب التصعيد الحقيقى بين البلدين، بعد الاعتداء على مقرات البعثة الدبلوماسية السعودية خلال المظاهرات التى خرجت من إيران احتجاجا على إعدام رجل الدين الشيعى نمر النمر. 

وعندما سأله مراسل «الإيكونوميست»: هل من الممكن أن تندلع حرب مباشرة بين البلدين؟ قال بحسم: «هذا أمر لا نتوقعه إطلاقا، ومن يدفع فى هذا الاتجاه ليس فى كامل قواه العقلية، لأن الحرب بين السعودية وإيران تعنى بداية كارثة كبرى فى المنطقة، وسوف تنعكس بقوة على بقية العالم، وبالتأكيد لن نسمح بحدوث ذلك». 

وإمعانا فى التأكيد على هذه المعانى مجتمعة، وعندما سأل المراسل بن سلمان عما إذا كانت إيران تعتبر السعودية هى عدوها الأكبر؟ قال: «لا نأمل ذلك». 

هل معنى ما ذهبنا إليه أن الجيل الجديد من الحكام فى الخليج وبخاصة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لا يرى فى إيران خطرا عليه، أقول: العكس هو الصحيح تماما، بل يمكننى أن أقول فى هذا السياق الكثير. 

مما لا يتسع له مقال ترحيبي بولي العهد السعودي الجديد فالعلاقات الخليجية الإيرانية أحد أهم التحديات فى منطقة الشرق الأوسط ورسم مستقبله.

حكام الخليج الجدد يعرفون جيدا بل ويستعدون منذ فترة بعيدة للخطر الإيراني الحال والمحتمل ولكنهم في نفس الوقت يعنون بقضية مهمة بالنسبة لهم وهى موضع مصر فى اللعبة السياسية الإقليمية وتحديدا بعد ثورات الربيع العربى. 

فالواقع يقول: إن أمامنا جيلًا جديدًا، من وجهة نظره أن مصر ليس من الضرورى أن تقود المنطقة طوال الوقت، تلك رؤية كانت تحكم عقل الجيل القديم من حكام الخليج، ذلك الجيل الذي كان يعتبر قيادة مصر للمنطقة قدرًا محتومًا، يحتمه التاريخ والجغرافيا قبل أى شيء آخر، أما ذلك الجيل الذي يمثله ولي العهد الجديد في السعودية، فلديه رؤية تقوم على أن الوقت حان لكى يشارك الخليج فى قيادة المنطقة، بل من حقه في مرحلة لاحقة أن يوسع من دوره لتؤول القيادة لهم، لم لا وعنده «وفق وجهة نظره» كل مقومات القيادة، اقتصاد قوى وعلاقات دولية متينة ومتماسكة وفكر قيادى من الدرجة الأولى استقوه من خلال سنوات طويلة من الانفتاح على النظريات الغربية والأمريكية فى الحكم والسياسة، فجميعهم درسوا فى أفضل وأكبر الجامعات فى الخارج.

وهذا أمر لا يمكن أن نخضعه للتحليل السياسى، فالجيل الجديد فى الخليج تعلم بالفعل فى الغرب، لديه ثقافة مختلفة، لديه طموحات كبيرة فى المنطقة، ولديه خطط واستراتيجيات تتعلق بالقيادة في منطقة تموج بالصراعات. فى الغالب ذلك الشعور بالتفوق يتلبس ذلك الجيل الجديد فهم كانوا يعتقدون أنه آن أوان القيادة، لأن مصر ليست قدرًا على رقابهم. 

لكن جرت في النهر طوال السنوات الثلاث الماضية مياه كثيرة، فنظرا لكبر حجم مصر وسرعة مرورها من عنق الزجاجة وانتصارها في ٣٠ يونيو ٢٠١٣ على من أرادوا تقزيمها وتفتيتها وضعت ذلك الجيل أمام معضلة سياسية حقيقية. فإذا لم تتعامل مع مصر بواقعية، فسوف تقع أنت فى مشكلة، إذا اعترفت لها أنها كبيرة، فلا يجب أن تقول إن من حقك القيادة، وإذا تعاملت معها على أنها صغيرة فلن تستطيع القفز على واقع كالشمس ولن يتجاوب مع دعواك قيادتها ولا شعبها، وأعتقد أن تلك المعضلة قد حلها الملك سلمان بن عبد العزيز في زيارته الأخيرة إلى مصر، حيث توصل الجميع إلى معادلة منصفة كانت الطريق إلى موافقة الجميع على مرور الجيل الجديد إلى الحكم، فلا يمكن أن يفرضوا وجهة نظرهم على مصر، ولا يمكن لمصر أن تفرض وجهة نظرها عليهم، كل فى فلك يسبحون، شريطة احترام الجميع لمحددات الأمن القومى العربى، على قاعدة عدم التدخل فى شئون الغير الداخلية، ثم تأتى المصالح بعد ذلك لتفرض إرادتها على الجميع، وبخاصة المصالح العربية المشتركة وهو ما بدا واضحا في أزمة قطر الأخيرة حيث تلاقت مصالح مصر مع السعودية والإمارات ضد مصالح دولة عضو في دول مجلس التعاون الخليجي هي قطر نظرا لتقاطع مصالح تلك الدولة مع محددات الأمن القومي العربي.

ولهذا كانت مصلحة الجيل الجديد التى أدركها مع مرور الوقت، أنهم لا بد أن يضعوا مصر فى مكانها الصحيح، لا يرفعون أيديهم عن دعمها والتعاون معها على قاعدة التعاون العربي القائم على الندية، مع الاحترام الكامل لقيمة وقدر مصر في السياسة الدولية وفي منطقة نفوذها الرئيسي في الشرق الأوسط.