الجمعة 12 يوليو 2024

من أرشيف عبد الرحيم علي

الملفات السرية للإخوان.. الحلقة التاسعة

نشر بتاريخ 29/ديسمبر/2013 بموقع "المركز العربي للدراسات والبحوث"

نشر
محمود زينهم وحسن
محمود زينهم وحسن عبدالحافظ

الجماعة هددت الخازندار قبل تنفيذ العملية

قاتلى الخازندار لم يتعديا العشرون عاماً

قاتلى الخازندار كانا يضحكان ويلقيان النكات أثناء التحقيق

الجماعة حاولت الإيهام بجنون القاتلين ليفلتا من العقاب

بعد صدور الحكم, الجماعة حاولت تهريب الجناة من السجن

ونواصل في قضية اغتيال القاضي أحمد الخازندار، وهذه المرة نورد بعضا مما كتبه أحمد مرتضى المراغى، مدير الأمن العام آنذاك في مذكراته المعنونة - غرائب من عهد فاروق وبداية الثورة المصرية (مذكرات آخر وزير داخلية قبل الثورة) - الطبعة الأولى – مكتبة دار الشروق.

قتل رئيس محكمة الجنايات :

وتحت هذا العنوان يسرد المراغي في ص71، الأسباب التي أدت بالإخوان الى إتخاذ قرارهم بإغتيال القاضي الخازندار فيقول:

“,”انعقدت محكمة جنايات مصر برئاسة المستشار الخازندار، وكان قاضياً يتميز بالعلم الغزير وبنزاهة لا يرقى إليها الشك، لمحاكمة جماعة من الإخوان اتهموا بحيازة متفجرات وأسلحة. وكانت القضية قد عرضت على دائرة أخرى تلقت تهديدات عديدة بالقتل إذا حكمت على المتهمين (لاحظ التهديدات للقضاء) . وأخذت القضية تؤجّل حتى انتهت إلى الدائرة التى يرأسها الخازندار. وطلب محاموا المتهمين التأجيل. ولكن الخازندار رفض التأجيل وأصر على النظر فى القضية (رغم تهديده بالقتل سواء برسائل أو مكالمات هاتفية) لصلابته المعهودة عنه. وحكم في القضية بحبس المتهمين مدة طويلة بالأشغال الشاقة. وهنا صدر عليه هو حكم الإعدام من محكمة الإخوان ونفذ كما يأتى:

خرج المستشار الخازندار من منزله صباح يوم مشمس من ايام الشتاء فى حلوان بعد أن ودع زوجته وقبل طفليه وأخذ يمشى على مهل من منزله فى الجهة الشرقية من المدينة متجهاً إلى محطة السكك الحديدية ليستقل القطار. ولم يبتعد عن منزله أكثر من خمسين متراً حتى انقض عليه شابان أحدهما فى التاسعة عشر والثانى فى الثامنة عشر (لاحظ حداثة سن الشابين) وأطلقا عليه ست رصاصات سقط على إثرها قتيلا. وفر الشابان صوب الجبل المحيط بحلوان. ورآهما أحد المارة فأسرع بإبلاغ البوليس الذى أنطلق وراءهما. وسمعت زوجة المستشار صوت الطلقات، وأحس قلبها بأن شيئاً اصاب زوجها. وكان نذير إحساسها ما وجه إلى زوجها من تهديدات.

ويواصل المراغي في ص 72 “,”فخرجت (في إشارة للزوجة ) حافية القدمين، ونظرت إلى بعيد لترى جثماناً على الأرض وأشخاصاً ينحنون عليه. فجرت إليه لتجده غارقاً فى دمائه. وأخذت تحضنه وتناديه وتبكى وتندبه وتصرخ صراخ اليأس. ولحق رجال الشرطة بالشابين وقبضوا عليهما وبدأ التحقيق معهما فى قسم حلوان. وأسرعت بحكم وظيفتى إلى القسم لحضور استجوابهما. رأيتهما هادئين باسمين. كان أحدهما ضخم الجثة طويلا وكان الآخر قصيراً نحيفاً. وبدأ وكيل النيابة التحقيق، وسأل أولهما عن اسمه. فأجاب ولماذا تريد معرفة اسمى؟ وسأل الثانى فأجاب اسأل زميلي يقل لك اسمى. وضحك. فنهرهما وكيل النيابة وأعاد السؤال. فذكر كل منهما اسمه. وسألهما هل أطلقا الرصاص على المستشار الخازندار؟ فردَّا بكل برود: ومن هو الخازندار. ثم امتنعا عن الرد على أي سؤال. فتوقف وكيل النيابة عن التحقيق. ولكن احد رجال البوليس حاول التكلم معهما فضحكا ولم يردا عليه. فسكت. وبعد ذلك مال الصغير النحيف على أذن الضخم وأسر إليه شيئاً استغرق بعده فى ضحك مكتوم حتى دمعت عيناه.

فقلت له (أي المراغي باشا): هل أستطيع أن اعرف ما الذي أضحكك؟

فرد مبتسماً: أصل صاحبى هذا خفيف الدم، وقال نكتة حلوة. وهو دائماً يسلينى بإلقاء النكت (أنظر إستهتار شباب الإخوان بالأرواح، جراء أسلوب التربية) .

تملكنى غضب وحنق لا حد لهما. قاتلان يقتلان مستشاراً على درجة ممتازة من العلم والخلق، ويرملان زوجة شابة، وييتمان طفلين، ولا يأبهان بشيء، ولا يحسان بفداحة الجرم الذى ارتكباه، ثم يتماديان فى الاستهتار بالمحقق ورجال الأمن. ويتبادلان النكات بدلا من الرد على أسئلة وكيل النيابة. لابد أن يكون فى الأمر شيء. إنهما لا يتصرفان كأشخاص عاديين لهم عقل وتفكير. هل هما تناولا شيئاً من المخدر؟! ونترك إجابة المراغي لأنها قد تغضب الإخوان ويتركان كل شئ ليمسكا بهذا الرأي ليقارعانني به، ونذهب الآن لتأكيد كل ما سبق، الى أحد عتاة النظام الخاص وقادته البارزين، لنرى كيف يرى الحادث.

الخازندار فى خبر كان:

في كتابه- النقط فوق الحروف الإخوان المسلمون والنظام الخاص - الطبعة الاولى- الزهراء للأعلام العربى– يشرح أحمد عادل كمال في ص 173 ، تحت عنوان “,”الخازندار فى خبر كان“,” الأسباب وراء أغتيال الخازندار من وجهة نظر إخوانية يقول:

“,”مر بنا حين تناولنا قنابل الكريسماس كيف امتلأ بعض شبابنا بأن القاضى أحمد بك الخازندار رئيس محكمة استئناف القاهرة كان يرى شرعية الوجود الإنجليزي فى مصر بموجب معاهدة 1936.

وتطوع بعضنا لتخليص الحركات التحريرية منه فإن أمامنا منطلقا كبيرا وجهادا مريرا طويلا، فإذا سمحنا لهذا السيف أن يظل قائما يقتطع من أطرافنا واعضائنا فأى خسارة سوف تصيبنا وأى تضحيات من ذواتنا سوف نقدمها على مذبح الحرية بدون مبرر. تلك كانت النظرة عند شباب يتعجل تحرير وطنه. وعلمت أنه تم اختيار من يقوم بهذه المهمة فصرت أول شيء أفعله كل صباح أن أقلب الصحف بحثا عن الخبر.. ومرت الأيام دون أن أقرأ الخبر الذى انتظره. وعدت أفاتح فى الموضوع وأسأل عن سبب البطء، وجاء الجواب إننا نبحث عن عنوان الرجل ونجد صعوبة فى ذلك فإن اسمه ليس فى دليل التليفونات، وربما كان هذا طبيعيا فقد كان منقولا من الاسكندرية ولعله لم يحصل على تليفون بعد أو حصل عليه ولم يدرج فى الدليل. وأخيرا عرف أنه كان يقيم فى ضاحية حلوان,

اغتيال:

ويستمر عادل كمال في روايته فيقول في ص174 “,”عادت الايام تمر بطيئة ونحن نتصبح بالبحث فى صحف الصباح، حتى كان يو 22/3/1948.. كنت فى عملى بالبنك الاهلى حيث شاهدت أحد الموظفين الأجانب يندفع وسط المكاتب ويصيح “,” جمدوا حساب احمد بك الخازندار “,” فسأله احدهم لماذا؟ قال جاءنا خبر الآن بالتليفون أنه مات .. ضربوه بالرصاص.

لم يكن الخبر عند موظفى البنك أكثر من أنه حادثة وأن حسابه سيجمد حتى يحصر الورثة ويتحدد نصيب كل وارث، ولكنه عندي كان أكثر من ذلك.

وما ان انتهى عمل اليوم بالنسبة لى حتى انطلقت أطمئن على ما حدث، ولكن لم تكن الاخبار مطمئنة لقد اغتاله اثنان من اخواننا فى الصباح ولكن قبض عليها.
كيف اغتيل الخازندار:

تحت هذا العنوان يروي عادل كمال الحادثة بالقول: “,”وقع الاختيار على حسن عبدالحافظ ومحمود سعيد زينهم لاصطياد الرجل. وبعد مراقبة الرجل أيام علم أنه يذهب إلى المحكمة من باب الخلق بالقاهرة ويعود إلى حلوان بالمواصلات العادية سيرا على الاقدام إلى محطة سكة حديد حلوان ثم قطار حلوان إلى باب اللوق ثم المواصلات المعتادة كذلك أبانت الدراسة أن قسم بوليس حلوان لا تتبعه سيارات! وعلى ذلك وضعت الخطة، أن ينتظر خروج الرجل من بيته .. فيغتاله حسن بالمسدس بينما يقف له محمود حارسا وحاميا لانسحابه بالمسدس وبقنابل يدوية صوتية، ثم ينسحبان ويمنعان تتبعهما من الجماهير بإطلاق الرصاص فى الهواء وإلقاء القنابل (أرجو أن يرى القارئ كيف كان الإخوان يخططون لجرائمهم بمنتهى الدقة ثم يخرج مسئوليهم علينا ليقولوا بأن الجماعة لم ترتكب حوادث عنف وأنها جماعة سلمية) . ويكون انسحابهما فى غير تتبع من أحد إلى بيت عبدالرحمن (في إشارة الى عبد الرحمن السندي قائد النظام الخاص). ولقد باتا ليلتهما أيضا عنده فى هذا البيت، بيت عبدالرحمن السندي.

ويواصل في ص 175 “,”وفى الصباح الباكر وقبل الموعد المعتاد لخروج الخازندار من بيته كان الصائدان يترصدان ذلك الخروج، ثم خرج فى خطوات وئيدة لا يدرى ما هو مبيت له. وكان محمود بعيدا بعض الشيء يرقب الطريق والمارة ويرقب أيضا أخاه فى المهمة، بينما تقدم حسن وأطلق بضع طلقات لعلها كانت ثلاثا لم تصب الهدف. ولم يضع محمود الفرصة فترك مكانه وتقدم نحو الخازندار وقيل إنه أمسك به من ذراعه وأوقعه إلى الأرض، كان محمود مصارعا ورياضيا وكان مكتمل الجسم مثل الجمل الاورق، وصوب إليه مسدسه فأفرغ فيه ما شاء، ثم تركه وانسحب بزميله وقد خرجت الأرملة تصيح من الشرفة وتقول “,” ألم أقل لك؟ يا أحمد بك ألم أقل لك؟ “,” “,”أنا مش قلت لك؟“,”.

كان العجلاتى القريب من البيت يفتح محله حين سمع إطلاق الرصاص وصراخ الزوجة ونظر فوجد الخازندار ممددا على الارض فى دمائه وانطلق العجلاتى باحدى دراجاته إلى قسم البوليس فأبلغ الأمر. وهنا كانت مفاجأة القسم الذى كان معلوما خلوه من السيارات تصادف أن جاءت من القاهرة سيارة فى تلك اللحظة لنقل بعض المحجوزين به. وانطلق الكونستابل الذى كان يصاحب السيارة بها فى أثر الفارين.

وتغير الموقف فاتجه محمود وحسن صوب الجبل بدلا من اتجاههما إلى بيت بحلوان والذى يعرف جبل المقطم يعلم أنه ليس مجالا مناسبا للفرار فى تلك المنطقة، واجتازا فى انسحابهما هذا بعض أسوار الحدائق والبيوت، وسقط حسن فجزعت قدمه، واضطر محمود أن يحمله أو يسنده بعض الوقت. وتوالت قوات البوليس من القسم نحو الجبل ثم لم يلبث الجبل أن ضرب عليه حصار من العباسية إلى حلوان على مسافة تزيد على ثلاثين كيلو مترا، وتقدمت تلك القوات إلى داخل الجبل الأجرد فقبضت على محمود وحسن. وأنكرا كل صلة لهما بالحادث. وجرى التحقيق ليلتها فى قسم حلوان بمعرفة النائب العام محمود منصور، ثم نقلا إلى القاهرة. وفى اليوم التالى وجدتنى أشهد جنازة الخازندار إلى مسجد شركس وقد سار فيها جمع من رجال القضاء.

الحكم:

ويواصل عادل كمال في ص178 “,”طال التحقيق وكذلك المحاكمة، وتظاهر حسن بالمرض العصبى وأحيل إلى مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية وقدمت البحوث والتقارير والمناقشات حول مرضه ومدى مسئوليته الجنائية فى ظل الحالة التى تنتابه.

وفى قضية مصرع الخازندار عمد الدفاع إلى تأجيل النظر بكافة الحجج، ومن المعلوم عن القضايا الساخنة أنها تبرد بمضى الوقت (أنظروا كيف يخطط الإخوان للهروب من العقاب أيضا) ، وكان هذا فى الواقع ما يهدف إليه الدفاع. وكان الأستاذ فتحى رضوان من هيئة الدفاع وقد بنى مرافعته أساسا على براءة المتهمين مما نسب إليهما من قتل القاضى الخازندار ثم لجأ إلى الدفاع الاحتياطى فقال ... ومع ذلك نفرض جدلا أنهما قتلاه، فما الدافع لهما على ذلك؟.

وذكر ما شاء تحت هذا العنوان ثم ختم مرافعته بتحذير.... “,”إنها نار فحذار أن تطفئوها بالبنزين! وأخيراً صدر الحكم فى 22 نوفمبر 1948 على محمود زينهم وحسن عبد الحافظ بالأشغال الشاقة المؤبدة.

مشروع تهريب المتهمين“,”

ويمضي عادل كمال ليشرح خطة الإخوان لتهريب الجناة: “,”لقد شدت عملية الخازندار أعصابنا شدا عنيفا، وكان اهتمامنا بمحمود زينهم وحسن عبدالحافظ بالغا، لست أقصد مجال الدفاع فى القضية وتوكيل أفضل المحامين للدفاع عنهما، ولكننا كنا نعد العدة لعملية أكبر، هى تهريبهما من السجن باقتحامه ليلا وإخراجهما منه.

وتمت دراسة العملية ... مبانى السجن من الخارج ومسالكه من الداخل، ونظام الحراسة فيه .. واعدت معدات الاقتحام .. سلالم من الخشب يمكن طيها وفردها، وسلالم من الحبال ذات عقد وذات عقل من الخشب ..واختير مكان الاقتحام من سور السجن الخلفى الجنوبى .. ودرس كل ما سوف تقابله مجموعة الاقتحام، وتم اختيار هذه المجموعة ودربت على العمل الموكول إليها وانتخب السلاح المناب وكان فى جملته من الرشاشات الصغيرة والمسدسات، ولم يكن مع الطرف الآخر من حراس السجن سوى بنادق قديمة الطراز مما يحشى طلقة طلقة . وتم استمالة بعض حرس السجن بالمال واعتاد الإخوان المسجونون أن يقدموا الأطعمة للحراس وكان قررا أن تكون أطعمة ليلة التنفيذ أطعمة مخدرة وشهية. وصنعت مفاتيح لأبواب السجن وزنازينه وتم تجربتها على أبوابها، وأعدت السيارة اللازمة للاختطاف كما أعد المخبأ الذى يلجأ إليه الهاربان .. ودرس نظام الإنارة فى المنطقة لقطع التيار الكهربائى ساعتها. وكان كل شيء يسير فى مساره المرسوم.

ولكن جاء حادث السيارة الجيب ومحنة 1948 وقبض على المخططين للعملية وعلى بعض المرشحين للاشتراك فيها قبل التنفيذ، وحتى نفس المفتاح الذى كان مقررا أن يفتح أبواب السجن سقط في مكان بالسيارة الجيب ولم يلتفت أحد من المحققين ولا من البوليس السياسيى وقتها إلى أنه مفتاح “,” السجن “,” ، سجن مصر العمومى رغم تردد أعضاء النيابة على السجن عدة مرات وخاصة محمد بك عبدالسلام رئيس نيابة الاستئناف الذى كان يتولى التحقيق فى قضية السيارة الجيب والذى لا شك رأى المفتاح الكبير المميز ضمن أحراز القضية كما رأى أمثاله بأيدى جاويشية السجن، ولكنه لم يربط بين الاثنين. فلبث محمود زينهم وحسن عبدالحافظ بالسجن بضع سنين، خمسا أو ستا، إلى أن قامت الثورة فأصدرت عفوا خاصا عنهما.

والى لقاء في الحلقة القادمة.